قراءة نقدية · وثائق العصر الوسيط · إقليم البحرين وجزيرة أوال
إقليم البحرين التاريخي وشواهد أوال
قراءة نقدية في الوثائق والنصوص الوسيطة
إعداد: د. أحمد بن عبدالرحمن العسيري
المقدمة والإشكالية
تتوزّع الأدلة التاريخية المتعلقة بإقليم البحرين في العصر الوسيط بين نصوص فقهية ومراسلات علمية، مثل «رسالة ابن تيمية إلى أهل البحرين»، وشواهد تاريخية محلية، مثل الأخبار الواردة في شرح ديوان ابن المقرب العيوني، فضلاً عن القرائن الاجتماعية والعمرانية.
وتكمن الإشكالية المنهجية في تحديد ما يمكن أن تنتجه هذه الأدلة من نتائج بشأن البنية العلمية والمذهبية للإقليم، والتمييز بين إثبات وجود جماعة أو مؤسسة أو اتجاه مذهبي وبين إثبات الغلبة العددية أو السيادة المذهبية. ويقع بعض الطرح الجدلي في الخلط بين الدليل النصي الجزئي والتركيب الديموغرافي العام، بحيث يُنقل الحكم من نطاق الوثيقة إلى نطاق المجتمع كله دون استقراء كافٍ.
وعليه، تهدف الدراسة إلى تحديد القوة الإثباتية لكل مصدر، وضبط نطاقه الزمني والجغرافي، واختبار فرضية الأحادية المذهبية المطلقة، دون افتراض نتيجة ديموغرافية مسبقة أو الانتقال من إثبات الوجود إلى إثبات الأغلبية من غير قاعدة استقرائية كافية.
أولاً: الضبط المفهومي والجغرافي
التمايز بين الإقليم التاريخي والحدود المعاصرة
يجب التمييز بين إقليم البحرين التاريخي بوصفه تسمية جغرافية تاريخية لنطاق من شرق الجزيرة العربية، وبين مملكة البحرين المعاصرة بوصفها وحدة سياسية معاصرة.
كما ينبغي عدم افتراض ثبات حدود الإقليم في جميع المصادر والعصور؛ فالمجال الجغرافي الذي يدل عليه اسم «البحرين» يتغير بحسب السياق التاريخي والمصدر.
جزيرة أوال
تمثل أوال وحدة جغرافية وجزيرية متميزة داخل المجال الذي عُرف تاريخياً بالبحرين، ولذلك يجب تحليل الشواهد المتعلقة بها بصورة مستقلة، ثم بيان صلتها بالإقليم الأوسع، بدلاً من دمج أوال والأحساء والقطيف في وحدة مذهبية واحدة دون تمييز مكاني وزمني.
ثانياً: التحليل النقدي للملف الوثائقي والتاريخي
١. رسالة ابن تيمية إلى أهل البحرين (القرن الثامن الهجري)
أ. ما تثبته الرسالة (الدليل المباشر)
تُقدّم الرسالة شاهداً مباشراً على وجود مجتمع إسلامي متفاعل في البحرين، وتخاطب «أهل العلم والدين»، كما تتحدث عن وفد من أهل البحرين وعن مسائل عقدية وفقهية كانت موضع نزاع بينهم.
وتكشف الرسالة كذلك عن اهتمام بمسائل:
الاعتقاد: مثل رؤية الكفار لربهم في المحشر.
الفقه: مثل إقامة الجمعة وشروط البنيان والاستيطان.
المؤسسات الدينية: مثل الجامع والجمعة.
التواصل العلمي: من خلال العلاقة بين المجتمع المحلي والعلماء خارج الإقليم.
كما يستحضر ابن تيمية في سياقه التاريخي أخبار عبد القيس، وجواثى، وإقامة الجمعة في البحرين، مما يمنح الرسالة قيمة مزدوجة: فهي وثيقة عن واقع عصرها، وفي الوقت نفسه نص يستدعي الذاكرة الإسلامية المبكرة للمنطقة.
ب. حدود الاستدلال
لا تُحدّد الرسالة النسبة العددية لأهل السنة، ولا تثبت أن جميع أهل العلم فيها كانوا على مذهب فقهي واحد، فهي من خلال السياق يفهم منها وجود مذاهب فقهية متعددة.
والأدق أن يُقال إنها تثبت وجود نشاط علمي وفقهي وعقدي في سياق يتصل بالبيئة العقدية المتنوعة التي يصدر عنها جواب ابن تيمية، دون تحويل ذلك إلى حكم ديموغرافي شامل على سكان الإقليم.
٢. شرح ديوان ابن المقرب العيوني وشواهد أوال (القرن الخامس الهجري)
تقدم الأخبار المتعلقة بأبي البهلول العوام بن محمد الزجاج وأخيه أبي الوليد مسلم مادة مهمة لدراسة أوال في القرن الخامس الهجري، ولا سيما فيما يتعلق بالجامع وإقامة الجمعة والخطابة وأنهم على مذهب أبي حنيفة النعمان.
فقد ثبت ذلك بما لا يدع مجال للشك في النص المخطوط، التصريح بانتسابهما إلى المذهب الحنفي، وذلك يشكل شاهدًا مباشرًا على وجود حضور المذهب الحنفي في أوال في تلك المرحلة. ويؤيد ذلك مخطوطة «العدة من المختار من الزبدة والعمدة» لنقيب البحرين الشيخ علي بن أبي الحسن العبدي الرفاعي البحراني، ابن قاضي البحرين.
كما أن اتفاق المصادر في تصنيف أبي البهلول مذهبيًا لا يُلغى وجود بعض المتأثرين والموالين للقرامطة واعتقادهم وتأثير الآباء والأجداد في ذلك، فهو يُعامل بوصفه مسألة خلافية مصدرية تحتاج إلى مقارنة الروايات، وتحديد أقدمها وأوثقها، وفحص السياق الذي وردت فيه نسبة المذهب القرمطي على الناس في تلك الفترة.
ومن ثم، فإن القيمة الأساسية لهذه الأخبار تكمن في كشفها عن تعقيد البنية الدينية والسياسية والاجتماعية في أوال.
٣. القرائن العمرانية: الجريد والطين
تستشهد رسالة ابن تيمية ببيوت البحرين المبنية من الجريد والسعف والطين في سياق بحثها لمسألة الاستيطان والبنيان وشروط إقامة الجمعة.
وتفيد هذه المادة في دراسة: طبيعة الاستقرار السكاني، والبيئة العمرانية، والموارد المحلية، وأنماط البناء، وطبيعة الاستيطان في البيئة الساحلية.
٤. نقابة الأشراف في البحرين: مخطوطة «العدة» ووثائق تعدد المذاهب الأربعة
أ. مؤسسة النقابة: ضبط تاريخي
نقابة الأشراف وظيفة شرعية عُرفت في البلاد الإسلامية منذ العصر العباسي، غايتها -كما عرّفها الماوردي- صيانة ذوي الأنساب الشريفة وضبط مواليدهم ووفياتهم ومنازعاتهم. وقد اتسعت نقابة الأشراف من الكوفة وبغداد إلى سائر الأمصار، ومن بينها -كما تذكر المصادر- بلاد البحرين، منذ أواخر العصر العباسي.
وقيام هذه المؤسسة في إقليم البحرين، بصرف النظر عن مضمونها المذهبي، دليل على استقرار بنية اجتماعية وإدارية منظمة، أسهمت لاحقاً في حفظ سلاسل النسب والتراجم العلمية لبعض الأسر العلمية في البحرين، ومنها الأسرة العبدلية الرفاعية.
ب. نقباء عُرفوا في المصادر النسبية للبحرين
قاضي البحرين السيد ماجد البحراني العبدلي (ولد سنة ٧٢٠هـ).
الشيخ النسابة النقيب الشريف علي أبو الحسن بن السيد ماجد العبدلي البحراني، نقيب الأشراف بالبحرين (ولد سنة ٧٥٠هـ)، صاحب مخطوطة «العدة» الآتي ذكرها.
زين العابدين علي بن أحمد العبدلي الهاشمي، ابن عم السيد علي أبي الحسن.
الشريفة ناهد بنت السيد ماجد البحراني العبدلي.
ج. مخطوطة «العدة في المختار من الزبدة والعمدة»
تنص طرة المخطوطة على أنها للعلامة النسابة «السيد الشريف الشيخ الجليل علي أبي الحسن شيخ الشرف العبدلي الرفاعي الحسيني المدني ثم البحراني»، المتوفى سنة ٨٩٨هـ عن ثمانٍ وتسعين سنة. ويذكر المؤلف في مقدمته أنه اعتمد على مصادر نسبية سابقة، منها «مشجر زبدة الأنساب»، و«كفاية النقباء» لتاج الدين الرفاعي، و«مشكاة السيد الحميدي»، واختصرها في هذا المشجر حفظاً -بعبارته- «للسلسلة الزكية والنسبة الرفاعية».
وتتضمن صفحات المخطوطة تراجم لنسب الإمام أحمد الرفاعي الكبير ومناقشة الدعاوى حول نسبه، وقيوداً هامشية عن تنقل ذرية السيد علي بن الحسن العبدلي الرفاعي بين البحرين والمدينة المنورة، منها قيد يذكر مولد أحد أبنائه في البحرين سنة ٨٢٩هـ، وقيد آخر عن خروج بعض السادة الرفاعية إلى البحرين وزواجهم بها وتعقيبهم ذرية فيها.
صور المخطوطة (٩)
أ-١طرة التعريف بالمخطوطة ومؤلفها: «هذا كتاب العدة... للشيخ علي أبي الحسن... المتوفى سنة ٨٩٨هـ»
أ-٢صفحة من متن المخطوط بخط النسخ، ضمن مقدمة الكتاب
أ-٣الديباجة الافتتاحية (البسملة والحمدلة) من نسخة أخرى مصوَّرة للمخطوط
أ-٤لوحتا مشجر الأنساب: تفرعات الأسرة بخطوط حمراء وسوداء
أ-٥تفصيل مكبَّر من المشجر يبيّن أسماء الأبناء والأحفاد وتقييدات المواليد
أ-٦صفحتان من متن المخطوط تتضمنان تراجم وتقييدات نسبية
أ-٧هامش يذكر اسم «السيد ماجد البحراني العبدلي المدني» ضمن سلسلة النسب
أ-٨هامش جانبي بخط أحمر وأسود يحمل تقييدات إضافية على المشجر
أ-٩توثيق مصوَّر حديثاً لصفحة أخرى من المخطوط، وعليها إشارة لتولي «ابن ماجد البحراني» قضاء البحرين
د. كتاب «لباب المعاني» المطبوع (بولاق، ١٣٠٧هـ)
من نسل صاحب «العدة» جاء السيد أحمد العبدلي البصري الرفاعي، مؤلف كتاب «لباب المعاني الملخص من شفاء صدور المؤمنين في هدم قواعد المبتدعين»، المعروف بـ«لباب المعاني في أخبار القطبين الرفاعي والجيلاني»، طُبع بالمطبعة الكبرى ببولاق في مصر أوائل شهر رمضان سنة ١٣٠٧هـ، وصحّحه محمد الحسيني. ويتناول الكتاب تراجم ومناقب الشيخين أحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني، مع ردود على بعض المطاعن المتعلقة بنسبهما وطريقتهما.
ويذكر معجم المطبوعات العربية أن مؤلفه «من نسل صاحب التصنيف [العدة]، وجدُّه ابن ماجد البحراني الذي ولد في إقليم البحرين وولي القضاء بالبحرين»، وهو ما يربط الكتابين بسلسلة نسب وقضاء واحدة في الإقليم.
صور الكتاب المطبوع (٧)
ب-١لوحة العنوان المذهَّبة، طبعة بولاق ١٣٠٧هـ (نسخة رقمية، Google Books)
ب-٢صفحة داخلية بزخرفة هندسية على هيئة قبة تتصدَّر أحد فصول الكتاب
ب-٣صفحتان من متن الكتاب: تراجم ومناقب الشيخين الرفاعي والجيلاني
ب-٤صفحتان أخريان من متن الكتاب
ب-٥صفحة تحمل ختماً دائرياً (توثيق ملكية النسخة المصوَّرة)
ب-٦صفحة بيانات الطبع والنشر، شعار الهلال والنجمة، المطبعة الكبرى ببولاق
ب-٧لوحة عنوان كتاب مرتبط: «مسلسل» السيد أسعد المدني، برقم توثيق ٦٤٨٠
هـ. وثائق قضائية إضافية: تعدد المذاهب في وثيقة وقفية واحدة
تحمل وثيقة هبة أملاك زراعية من فضل بن فاضل بن عمر العيوني إلى ابنه عمر تاريخ نسخ يعود إلى الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ٩٠٠هـ، عن أصل صدقة يعود -بحسب نص الوثيقة نفسها- إلى نحو عشرين سنة قبل ذلك، أي نحو سنة ٨٨٠هـ. ونُسخت الوثيقة لاحقاً أكثر من مرة (منها نسخة سنة ١٢٨٠هـ، ونسخة سنة ١٣٢١هـ)، وشهد على نقلها عدد من الأعيان.
واللافت في هذه الوثيقة أنها تحمل توقيعي شاهدين قضائيين من مذهبين مختلفين على النسخة نفسها: الشيخ خليفة بن عبد الرحمن المالكي (مذهب مالكي)، ومحمد بن عبد العزيز البصري الشافعي (مذهب شافعي)، إلى جانب وثيقة أخرى لاحقة (سنة ١٠٦٦هـ) يصف فيها كاتبها نفسه بأنه «أحسائي مولداً، والبحرين مسكناً... والشافعي مذهباً... والأشعري معتقداً».
صور الوثائق (٣)
ج-١تصوير مباشر لوثيقة هبة أملاك زراعية من فضل بن فاضل بن عمر العيوني إلى ابنه عمر، نُسخت سنة ٩٠٠هـ
ج-٢من تحقيق ديوان ابن المقرب العيوني: إشارة إلى وقفية بستان «البديع» وتجديداتها (١٠٣٣هـ، ١٢٨٠هـ، ١٣٢١هـ)
ج-٣تتمة التحقيق: حدود بستان «البديع» وأنهاره الأربعة، وصلتها بالوثيقة نفسها
و. حدود الاستدلال
تثبت هذه الوثائق مجتمعة استمرار نشاط مؤسسة نقابة الأشراف في البحرين عبر عدة قرون (من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر الهجري تقريباً)، وتضيف شاهداً توثيقياً على حضور قضاة وشهود على المذهبين المالكي والشافعي، إلى جانب الحضور الحنفي المثبت آنفاً (الفقرة ٢ أعلاه)، فضلاً عن الانتساب الرفاعي الصوفي لبعض النقباء أنفسهم.
غير أن هذا التوثيق يبقى -شأنه شأن سائر الشواهد السابقة- إثباتاً لحضور مؤسسي وعلمي متعدد، لا إثباتاً لنسبة عددية أو غلبة مذهبية عامة؛ فالنقابة وظيفة تخص طبقة الأشراف تحديداً، والوثائق القضائية تعكس هوية كاتبيها والشهود عليها لا التركيبة المذهبية لعموم السكان. كما أن نسبة بعض النقباء إلى الطريقة الرفاعية الصوفية تفتح سؤالاً مستقلاً عن علاقة هذا الانتساب بانتسابهم الفقهي (الشافعي هنا)، وهي علاقة معروفة تاريخياً بين التصوف والمذاهب الفقهية السنية ولا تشكل تناقضاً، لكنها تستحق تمييزاً منهجياً عند التوثيق.
ثالثاً: مصفوفة الإثبات والحدود المنهجية
النقطة / الادعاء
الحكم الأكاديمي
الحدود والضوابط المنهجية
رسالة ابن تيمية تثبت بيئة علمية في البحرين
ثابت بدرجة قوية
النص صريح في المكاتبة والوفد والخلاف العلمي.
تثبت وجود حضور ذي صلة بالاتجاه السني
مرجح بقوة
يستند إلى سياق الرسالة ومضمونها، لا إلى إحصاء سكاني.
تثبت المذهب الحنفي تحديداً (في رسالة ابن تيمية)
غير كافٍ
تحتاج إلى مصادر مستقلة وتصريحات مذهبية صريحة.
نص شرح ابن المقرب يثبت وجود حنفية بأوال
مهم ومقيَّد
فقد ثبت ذلك في التحقيق المخطوطي والنصي لأصل العبارة.
إثبات التعدد المذهبي ينقض الأحادية المطلقة
صحيح منطقياً
بشرط إثبات التعدد بأدلة مستقلة ومحددة زمنيًا ومكانيًا في النطاق نفسه.
مخطوطة «العدة» ووثائقها تثبت نقابة أشراف ناشطة، وتعدد قضائي (حنفي/شافعي/مالكي) بين علماء البحرين وقضاتها (ق٨-١٤هـ)
مهم ومقيَّد
توثيق مؤسسي وقضائي بأسماء وتواريخ محددة، لا يقيس النسبة العددية العامة للمذاهب في المجتمع.
رابعاً: النتيجة العلمية النهائية
تُظهر القراءة النقدية للوثائق والنصوص المتاحة أن إقليم البحرين التاريخي، وأوال بصورة خاصة، لا يمكن اختزاله تلقائيًا في هوية مذهبية واحدة، فالمجتمع كان متنوع المذاهب والأديان، وهذا ما يؤكده دليل التنوع الثقافي والاجتماعي في البحرين منذ القدم.
وتقدم «رسالة ابن تيمية إلى أهل البحرين» شاهدًا مباشرًا على وجود نشاط علمي وفقهي وعقدي ومؤسسات دينية في البحرين في عصره، أي في القرن الثامن الهجري، بينما توفر الأخبار المحلية المتعلقة بأوال مادة مهمة لدراسة المؤسسات الدينية والشخصيات العلمية والسياسية في القرن الخامس الهجري. وقد ثبتت نسبة أبي البهلول وأبي الوليد مسلم إلى المذهب الحنفي في النص المخطوط بعد استكمال التحقيق النصي والمخطوطي، فهو يضيف شاهدًا مهمًا على الحضور الحنفي في أوال في تلك المرحلة.
غير أن الانتقال من إثبات الوجود والحضور العلمي إلى إثبات الغلبة العددية أو السيادة المذهبية يظل مسألة مستقلة تحتاج إلى مدونة مصادر تاريخية أوسع (Corpus) تضم تراجم العلماء والقضاة والخطباء، والوثائق الوقفية، وشبكات الرواية والإجازات، والمساجد والجوامع، والنصوص الفقهية المحلية، مع ضبط كل شاهد بحسب مكانه وزمنه ودرجة ثبوته.
وبناءً على ذلك، تتمثل الدعوى المركزية للدراسة في أن اختزال تاريخ إقليم البحرين وأوال، في المحطات التاريخية التي تكشف عنها المصادر، في نموذج مذهبي أحادي مغلق لا ينسجم مع تعدد الشواهد العلمية والمؤسسية والسياسية التي تكشفها هذه المصادر.
وفي المقابل، فإن إثبات وجود التعدد في مرحلة تاريخية معينة لا يثبت استمراره بلا انقطاع عبر جميع العصور، كما أن إثبات الحضور الحنفي لا يكفي وحده لإثبات الأغلبية العددية أو السيادة المذهبية.
ومن ثم، تبقى مسألة الأغلبية المذهبية وتغيرها عبر العصور موضوعًا تاريخيًا مستقلًا يحتاج إلى استقراء متعدد المصادر، مضبوط بالزمان والمكان، وقائم على تراكم الأدلة لا على الاستنتاج من الشواهد الجزئية.
ملحق وثائقي
تلخيص الوثيقة الأصل: «رسالة إلى أهل البحرين وملوك العرب»
يقدّم هذا الملحق تلخيصاً لبحث «رسالة إلى أهل البحرين وملوك العرب» — تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ودراسة وتحقيق الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان (مجلة جامعة الإمام، العدد ٢٣، شوال ١٤٣٠هـ) — في خمسين نقطة، عشرة أسطر لكل نقطة، موزّعة على ستة محاور.
وهو ملحق وثائقي يخدم القراءة النقدية أعلاه: فالرسالة هي المصدر الأول (الدليل المباشر) الذي بُنيت عليه فقرة «١. رسالة ابن تيمية إلى أهل البحرين» في القسم الثاني من هذه الدراسة.
التعريف بالبحث ومنهج التحقيق
النقاط ١ – ٥
١
عنوان البحث ومصدره
"رسالة إلى أهل البحرين وملوك العرب" عنوان البحث المحقَّق.
تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني، المتوفى سنة ٧٢٨هـ.
الباحث المحقِّق: الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان.
من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين.
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
نُشر البحث في مجلة جامعة الإمام، العدد الثالث والعشرون.
صدر العدد في شهر شوال من عام ١٤٣٠هـ.
البحث دراسة وتحقيق علمي لرسالة مخطوطة لم تُفرد من قبل.
يقع البحث في قسمين رئيسين متتاليين ومتكاملين.
القسم الأول دراسة، والقسم الثاني نص الرسالة محقَّقاً.
٢
ملخّص البحث وقسماه
افتتح الباحث بحثه بملخص علمي مركَّز لمضمونه.
بيّن أن البحث تحقيق ودراسة لرسالة ابن تيمية إلى أهل البحرين.
وهي التي سماها المؤلف نفسه "رسالة إلى أهل البحرين وملوك العرب".
قسّم العمل إلى قسمين: الدراسة، ثم التحقيق.
سبق القسمين مقدمة عامة وثلاثة مباحث تمهيدية.
المبحث الأول: ترجمة موجزة للمؤلف رحمه الله.
المبحث الثاني: دراسة المؤلَّف نفسه، سببه ونسبته وصحته ونسخه.
المبحث الثالث: دراسة أهم مسألة في الرسالة، وهي الفرقة والاختلاف.
القسم الثاني: تحقيق الكتاب، وفيه مسائل يسوغ فيها الاجتهاد.
كصلاة الجمعة خارج البنيان، ورؤية الكفار والمنافقين لربهم في المحشر.
٣
أهمية الرسالة وأسباب اختيارها
بيّن المحقق أربعة أسباب دفعته لاختيار هذه الرسالة وتحقيقها.
أولها: أن جامع الفتاوى قسّم الرسالة في موضعين متباعدين من المجموع.
فجُمع الموضوعان في موطن واحد كما هو الأصل في المخطوط.
ثانيها: أن موضوع الرسالة، رؤية الكفار لربهم يوم القيامة، منفرد به ابن تيمية.
ولم يتناوله أحد غيره بالبحث المستقل، حسب علم الباحث.
ثالثها: أن الرسالة تبيّن ألا يتجاوز الخلاف حدوده المشروعة.
إلى السبّ والشتم والمعاداة والمقاطعة والهجر في مسائل الاجتهاد.
وهذا المنهج المتزن حاجة ماسة للعصر الذي ظهر فيه التفرق والتحزب.
رابعها: أن الباحث كان يُعِدّ بحثاً في مسألة رؤية الكفار لربهم.
فوجد أن ابن تيمية سبقه بكلام نفيس فيها، فحرص على إخراج رسالته مستقلة.
٤
خطة البحث ومنهج التحقيق
اعتمد المحقق نسخة خطية وحيدة، ورمز لها بلفظة "الأصل".
واعتمد نسخة مجموع الفتاوى المطبوعة، ورمز لها بحرف "ط".
أثبت ما في الأصل، مع الإشارة في الهامش إلى ما يخالفه في المطبوع.
وإذا رأى أن الصواب في المطبوع أو يقتضيه السياق أثبته، وأشار للأصل.
إذا احتاج المعنى إلى زيادة وضعها بين معقوفتين، مع بيان مصدرها.
وإذا سقط شيء من إحدى النسختين وضع مكانه "ساقط من..." بين معقوفتين.
لم يثبت الفروق اليسيرة التي لا يترتب عليها إخلال بالمعنى.
وثّق الأحاديث والآثار، وبيّن درجتها إذا لم ترد في الصحيحين.
عزا الآيات القرآنية إلى مواضعها باسم السورة ورقم الآية.
ترجم للأعلام المختلَف في أسمائهم أو المنقول عنهم أو الملتبس أمرهم.
٥
عناية إضافية في التحقيق
شرح المحقق الكلمات الغريبة والمصطلحات الواردة في نص الرسالة.
عرّف بالفرق والمذاهب والأماكن والبلدان التي ورد ذكرها في المتن.
اعتمد التاريخ الهجري في التراجم ونحوها، ولم يدوّنه رقماً اختصاراً.
ختم الكتاب بفهرس شامل للمصادر والمراجع التي استند إليها.
بلغت مصادر البحث ومراجعه أكثر من مئة مصدر ومرجع.
شملت كتب التفسير والحديث والفقه والعقيدة والتراجم والتاريخ.
كما اعتمد معاجم اللغة ومعاجم البلدان في ضبط الأسماء والمواضع.
صوّر المحقق الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة من المخطوط في متن البحث.
ليتيح للقارئ رؤية خط النسخة الأصلية ومقارنته بالنص المحقق.
وبذلك اجتمع في البحث المنهج العلمي الدقيق مع الأمانة في نقل النص.
ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
النقاط ٦ – ١٥
٦
اسمه ونسبه ومولده
هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبدالله بن تيمية.
ينتهي نسبه إلى أبي القاسم الخِضر بن محمد الحرّاني الدمشقي.
اشتهر بلقب "شيخ الإسلام" بين العلماء والدارسين من بعده.
وُلد رحمه الله بمدينة حرّان سنة إحدى وستين وستمائة للهجرة.
وحرّان مدينة مشهورة كانت على طريق الموصل والشام، من منازل الصحابة.
فُتحت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد عياض بن غنم.
يُنسب إليها جماعة من أهل العلم يُعرفون بالحرّانيين، منهم شيخ الإسلام.
بقي في حرّان طفولته الأولى، ثم انتقل والده به إلى بلاد الشام.
استقر بدمشق فنشأ فيها نشأة علمية مبكرة منذ صغره.
وكان والده من كبار علماء الحنابلة في عصره ومن أئمتهم المشهورين.
٧
نشأته العلمية المبكرة
نشأ رحمه الله في دمشق نشأة صالحة قوامها العبادة والتحصيل.
ختم القرآن الكريم وهو صغير السن قبل أن يبلغ الحُلُم.
ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك كله.
سمع الأحاديث والآثار من شيوخ عصره، وأجازوه بروايتها عنهم.
وكان أول ما حفظه في الحديث كتاب "الجمع بين الصحيحين" للحُمَيدي.
لخّص الذهبيُّ نشأته بقوله: نشأ في تصوّن تام، وعفاف وتألّه وتعبّد.
واقتصاد في الملبس والمأكل، مع حضور المدارس والمحافل منذ صغره.
كان يناظر ويُفحم كبار العلماء وهو لا يزال في مقتبل عمره.
تحيّر منه أعيان بلده في العلم، فأفتى وهو ابن تسع عشرة سنة.
بل قيل: أفتى قبل ذلك، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت.
٨
تصدّره للتدريس والإفتاء
توفي والده رحمه الله، وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم في زمانه.
تصدّى ابن تيمية للتدريس بعد والده في وظائفه العلمية المرموقة.
وله من العمر إحدى وعشرون سنة حين تولّى تلك الوظائف.
اشتهر أمره في الآفاق، وبعُد صيته حتى صار عَلَماً بين العلماء.
أخذ في تفسير كتاب الله العزيز على كرسي الجامع من حفظه.
كان يورد المجلس بصوت جهوري فصيح، دون تلعثم ولا تردد.
جمع بين علوم الحديث والفقه والتفسير والعقيدة والأصول في تدريسه.
عُرف بسعة اطلاعه على أقوال العلماء ومذاهبهم قبل الترجيح.
شهد له معاصروه ببراعته في المناظرة ودقة استحضاره للأدلة.
صار مقصد طلبة العلم والفقهاء من مختلف الأقطار الإسلامية.
٩
صفاته العبادية والخُلقية
عقد الحافظ أبو حفص البزّار فصولاً في آثار الشيخ ومناقبه وصفاته.
كان كثير التعبد بأنواع العبادات الليلية والنهارية، مواظباً على القرآن.
بلغ في الورع والزهد غاية بالغة، من أزهد أهل عصره وأكملهم.
كان حريصاً على رفض فضول الدنيا، مقبلاً بكليته على طلب الآخرة.
يؤثر غيره على نفسه مع فقره، متواضعاً للصغير والكبير والغني والفقير.
لا يسأم من يستفتيه أو يسأله، بل يقبل عليه ببشاشة ولين.
لم يكن متكلفاً في لباسه ولا هيئته، ولا في مشيته وقيامه وجلوسه.
كان يلبس ما اتّفق له، ويأكل ما حضر، دون تكلف أو تصنّع.
جُبل على الكرم فلم يكن متطبعاً به، بل كان سجية فيه.
ومع ذلك كان شجاعاً مقداماً قوي القلب، مجاهداً بقلبه ولسانه ويده.
١٠
صفاته العلمية ومكانته
شهد له أعداؤه قبل أصدقائه بسعة العلم ورسوخ القدم في الفنون.
تميّز بجمعه بين النقل الصحيح والعقل الصريح في مسائل الاعتقاد.
كان مرجعاً في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والمنطق.
عُرف بدقة تمييزه بين ما هو محل إجماع وما هو محل اجتهاد.
امتاز بقدرته على استقصاء أقوال المخالفين قبل الرد عليها ومناقشتها.
كانت له مكانة عالية محمودة، وسيرة عطرة نديّة بين طلابه ومحبيه.
ما تمتع به من شجاعة وبسالة أثار حسّاده وأعداءه من كل جهة.
فتكالبت عليه قوى الشر من الأنداد والأقران من جهة، والتتار من أخرى.
وممالأة أهل البدع من الشيعة والمتصوفة وغيرهم من جهة ثالثة.
فحصلت له محن كثيرة نتيجة هذه المكانة العلمية الرفيعة التي بلغها.
١١
مؤلَّفاته وسعة إنتاجه العلمي
ترك شيخ الإسلام رحمه الله مؤلفات كثيرة بين كتب ورسائل وفتاوى.
يصعب حصرها لكثرتها وانتشارها الواسع في مختلف البلدان والأمصار.
قال ابن رجب عن مصنفاته: إنها أشهر من أن تُذكر وأعرف من أن تُنكر.
ووصفها بأنها سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار.
وقد جاوزت حدَّ الكثرة، فلا يمكن لأحد أن يحصرها بالكامل.
من أهم مصنفاته: "درء تعارض العقل والنقل" في مسائل العقيدة والمنطق.
و"منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية" في الرد على الرافضة.
و"بيان تلبيس الجهمية" في نقد مذهب الجهمية في الصفات.
والفتاوى الكبرى التي جمعها ابن قاسم وابنه في عدد كبير من المجلدات.
إضافة إلى مؤلفات مفقودة، كشرح أول المحصل للرازي، والرد على ابن سينا.
١٢
بداية محنه العلمية
لم تخل هذه المكانة العلمية المرموقة من محن كثيرة ابتُلي بها.
بدأت أولى محنه الكبرى سنة ثمان وتسعين وستمائة للهجرة.
حين سأله أهل حماة عن مسائل في صفات الله عز وجل.
فألّف لهم جواباً عُرف بـ"الفتوى الحموية"، أوضح فيه عقيدة السلف.
فحصلت له بسبب هذا التأليف محنة، وعُقد له مجلس لمناقشة ما ورد فيها.
انتقده بعض المخالفين، ورأوا في عباراته ما يستوجب المؤاخذة.
وقف الشيخ موقف المدافع عن منهج السلف الصالح في هذه المسألة.
مبيّناً أن ما ذهب إليه مستمَد من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة.
ولم يكن ذلك صادراً عن هوى نفس أو شهوة من نفسه.
بل عن اتباع للدليل الشرعي كما فهمه سلف هذه الأمة.
١٣
محنته الكبرى ومحاكمته بمصر
بعد سبع سنوات من محنة الحموية، أي سنة خمس وسبعمائة للهجرة.
امتُحن بطلب المناظرة والمساءلة عن معتقده من قبل خصومه ومناوئيه.
تحرك الخصوم وطلبوا استدعاءه إلى مصر لمحاكمته هناك.
فحُبس بقلعة الجبل بمصر ثمانية عشر شهراً بين شدة ورخاء أحياناً.
كان يُطلَب في كل فترة وأخرى بحضور القضاة ليُسأل عن الرجوع عن عقيدته.
لكنه بقي رحمه الله مصرّاً على منهجه وعقيدته أمام الجميع.
موضحاً أنه على منهج السلف الصالح المستمَد من كتاب الله وسنة رسوله.
وإجماع سلف الأمة، وأنه لم يأتِ بشيء من نفسه بغير دليل.
وبعد ستة أشهر تحزّب الصوفية وسعوا لدى السلطان بمحاكمته من جديد.
فعُقد له مجلس آخر بأمر السلطان لمحاكمته على معتقده ومنهجه العلمي.
١٤
نفيه وسجنه بالإسكندرية
خُيّر بين السجن أو الخروج إلى دمشق، فخرج بمشورة من طلابه ومحبيه.
لكنه أُعيد وهو في الطريق إلى دمشق بأمر من السلطة الحاكمة آنذاك.
وأُبلغ أن الدولة لا ترضى إلا بسجنه، وكان في ذلك مصلحة له.
فسُجن بمصر، ثم نُقل إلى الإسكندرية سنة تسع وسبعمائة للهجرة.
وحُبس فيها ثمانية أشهر أخرى، في ظروف قاسية على شيخ في سنه.
وكان طيلة بقائه في السجن يؤلف ويفتي الناس ويعظهم رغم قيده.
فصار مقصداً لأعيان طلاب العلم والفقهاء الذين يقصدونه في محبسه.
ثم خرج من السجن بأمر من الملك الناصر بعد تحسّن الأحوال.
وبقي في مصر ينشر العلم ويبثه، مكرَّماً من قبل السلطان قبل توجّهه.
إلى دمشق سنة اثنتي عشرة وسبعمائة للهجرة، بعد غياب طويل عنها.
١٥
محنه الأخيرة ووفاته
امتُحن بعدها في مسألة الحلف بالطلاق، وسُجن بسببها مدة بالقلعة.
ثم أُخرج من سجنه سنة إحدى وعشرين وسبعمائة للهجرة بعد تلك المحنة.
ثم امتُحن مرة أخرى في مسألة شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين.
تحرّك أهل الأهواء لدى السلطان، فأمر بسجنه سنة ست وعشرين وسبعمائة.
فبقي في سجن القلعة سنتين وثلاثة أشهر تقريباً على القول الراجح.
إلى أن توفي رحمه الله ورحمة الله واسعة وهو في محبسه بالقلعة.
توفي شيخ الإسلام ابن تيمية سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة.
وسِيح جثمانه من سجنه استعداداً لتشييعه ودفنه بدمشق رحمه الله رحمة واسعة.
خلّف تراثاً علمياً ضخماً ظل مرجعاً لطلاب العلم من بعده على مر العصور.
وهذه الرسالة إلى أهل البحرين واحدة من ثمار هذا التراث العلمي الغزير.
دراسة الرسالة: التأليف والتسمية والنسخ
النقاط ١٦ – ٢٥
١٦
سبب تأليف الرسالة
كان في زمن ابن تيمية أهل علم وصلاح بين أهل البحرين معروفون.
لكن حصلت بينهم فرقة وشقاق وعداوة من أجل مسألة عقدية دقيقة.
وهي: هل الكفار يرون الله عز وجل أو لا يرونه؟
وهم متفقون على أن الكفار لا يدخلون الجنة قطعاً بإجماع المسلمين.
لكن الخلاف نشب حول رؤيتهم لربهم في عرصات القيامة قبيل الحساب.
هل يرون ربهم عز وجل أم لا يرونه في تلك العرصة؟
فتهاجروا وتقاطعوا واختلفوا في هذه المسألة اختلافاً شديداً بينهم.
حتى كتبوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يسألونه عن حقيقة هذه المسألة.
ولما بلغه ذلك، كتب إليهم هذه الرسالة موضحاً حقيقة الأمر فيها.
وبيّن أن هذه من المسائل التي تحتمل الاجتهاد ولا يوجب الخلاف فيها الهجران.
١٧
طبيعة المسألة المتنازع فيها
بيّن ابن تيمية أن من أمور الدين ما هو مقطوع به بدليل واضح.
وهذا يجب على المسلم أن يُظهره ويدعو إليه ولو أُوذي في سبيله.
وعليه أن يتحمل الأذى ويقاطع ويهجر من خالفه فيه من غير تردد.
وهناك أمور أخرى هي محل اجتهاد ونظر لا يُمتحن فيها المسلمون.
فلا يُهجر أحد من أجلها، ولا يُؤدَّب عليها، ولا يُعزَّر بسببها.
بل غاية ما يُقال فيمن خالف الراجح فيها: إنه مخطئ لا غير.
ومن هذا القبيل عدّ ابن تيمية مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.
فهي من مسائل الاجتهاد التي لا يستوجب الخلاف فيها المقاطعة والهجران.
أراد بهذا التفريق تهدئة الفتنة التي وقعت بين أهل البحرين بسببها.
وإرجاع الأمر إلى نصابه الصحيح من التسامح في مسائل الاجتهاد النظري.
١٨
تسمية الرسالة
تتبّع المحقق مؤلفات شيخ الإسلام ومؤلفات تلاميذه ليقف على اسم الرسالة.
فتبيّن له أن اسمها الصحيح هو "رسالة إلى أهل البحرين وملوك العرب".
فابن القيم، وهو أخصّ تلاميذ شيخ الإسلام، ذكر هذا المؤلَّف باسمه.
ضمن مصنَّف خاص له في ذكر مؤلفات شيخه ابن تيمية وعناوينها.
وأشار ابن عبد الهادي إلى تسمية قريبة منها في ترجمته للشيخ.
إن له رسائل إلى البحرين، وإلى ملوك العرب، وإلى ثغور الشام.
أما جامع الفتاوى الشيخ محمد بن قاسم فقد عنون لها بـ"رسالة إلى أهل البحرين".
وهو اسم مختصر عن التسمية الكاملة التي أثبتها المحقق للرسالة.
رجّح المحقق التسمية الكاملة لكونها الأشمل والأدق دلالة على مضمونها.
مع تحفظه على وصفها بأنها خاصة بأهل البحرين مع أن محتواها عام للأمة.
١٩
أدلة نسبة الرسالة لابن تيمية
الثابت أن هذه الرسالة أحد مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
استند المحقق في إثبات ذلك إلى عدة قرائن وأدلة متكاملة.
أشار إليها ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح".
بعد ذكره الأقوال الثلاثة في مسألة رؤية الكفار لربهم في المحشر.
بقوله: "ولشيخنا في ذلك مصنَّف مفرد حكى فيه الأقوال الثلاثة وحجج أصحابها".
كذلك تدل الافتتاحية التي افتتح بها المؤلف رسالته على نسبتها إليه.
إذ ذكر فيها أنها رسالة منه إلى أهل البحرين وغيرهم من المسلمين.
ومن أهل العلم والدين خاصة، بأسلوب يتطابق مع أسلوب شيخ الإسلام المعروف.
إضافة إلى تصريح ابن عبد الهادي وجامع الفتاوى بنسبتها إليه رحمه الله.
وأسلوب المؤلف ونَفَسه في الرسالة لا يختلف عن كتبه الثابتة النسبة كالتسعينية.
٢٠
نسخ الرسالة الخطية والمطبوعة
حرص المحقق على الوقوف على نسخ خطية للرسالة قبل الشروع في تحقيقها.
لكن الذي توفر له هو نسخة خطية وحيدة اعتمدها أصلاً ورمز لها بـ"الأصل".
تقع هذه النسخة في ثلاث عشرة ورقة من القطع الكبيرة.
وعدد أسطر كل ورقة منها ثلاثة وعشرون سطراً، بخط واضح مقروء.
لكنها لا تسلم من بعض الأخطاء الناتجة عن سهو الناسخ أحياناً.
ونبّه المحقق عليها أثناء التحقيق كلما وقف على موضع منها.
أما النسخة الثانية فهي المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى، ورمز لها بحرف "ط".
وهي التي جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد رحمهما الله.
وجاءت الرسالة فيها موزّعة على موضعين متباعدين من مجموع الفتاوى.
فجمعهما المحقق في هذا البحث في موطن واحد كما هو الأصل في المخطوط.
٢١
مواضع الرسالة في مجموع الفتاوى
ورد القسم الأول من الرسالة في المجلد السادس من مجموع الفتاوى.
من الصفحة ٤٨٥ إلى الصفحة ٥٠٦ تقريباً، أي اثنتان وعشرون صفحة.
وهذا القسم هو آخر ما ورد في ذلك المجلد من مجموع الفتاوى.
أما القسم الثاني فورد في المجلد الرابع والعشرين من المجموع نفسه.
من الصفحة ١٦٣ إلى الصفحة ١٧٦ تقريباً، أي أربع عشرة صفحة.
طُبع مجموع الفتاوى لأول مرة سنة ١٣٩٨هـ.
وكانت الطبعة الأولى بمطبعة في سوريا حسبما أفاد المحقق في بحثه.
ثم توالت طبعات المجموع بعناية عدد من المؤسسات ودور النشر المختلفة.
إلا أن المطبوع منه لا يسلم من بعض الأخطاء والسقط في مواضع متفرقة.
مما أكّد أهمية الرجوع إلى النسخة الخطية الأصلية في هذا التحقيق.
٢٢
منهج المحقق في إثبات النص
اعتمد المحقق النسخة الخطية أصلاً في إثبات متن الرسالة كاملاً.
وحرص على إبقاء ما جاء في الأصل ما أمكن ذلك بعد التأمل في السياق.
وإذا رأى أن الصواب أو المناسب لسياق الكلام في المطبوع أثبته.
وأشار في الهامش إلى ما في الأصل بعبارة "في الأصل كذا، والمثبت من...".
وإذا احتاج المعنى إلى زيادة أثبتها بين معقوفتين مع بيان مصدرها.
وأشار في الهامش إلى مصدر هذه الزيادة والنسخة التي وردت فيها.
وإذا سقط شيء من إحدى النسختين وضع مكانه "ساقط من..." بين معقوفتين.
ولم يثبت الفروق اليسيرة بين النسختين التي لا يترتب عليها إخلال بالمعنى.
مثل الفروق بين "سبحانه وتعالى" و"عز وجل" ونحوها من العبارات المترادفة.
وهو منهج تحقيقي دقيق يجمع بين الأمانة العلمية ووضوح النص للقارئ.
٢٣
توثيق النصوص الشرعية في الرسالة
عزا المحقق الآيات القرآنية الواردة في متن الرسالة إلى مواضعها بدقة.
فذكر اسم السورة التي وردت فيها الآية ورقمها داخل تلك السورة.
كما خرّج الأحاديث والآثار الواردة في الرسالة من مصادرها الأصلية.
وبيّن درجة الحديث من صحة أو حسن أو ضعف إن لم يرد في الصحيحين.
مستعيناً بأقوال أئمة الحديث المتقدمين والمتأخرين في الحكم عليها.
كما اكتفى بالترجمة لبعض الأعلام الذين وقع خطأ أو اختلاف في أسمائهم.
أو الذين نقل عنهم الشيخ ابن تيمية نقلاً مباشراً في متن رسالته.
أو نسب إليهم قولاً معيناً، أو تكلّم فيهم بمدح أو ذمّ خلال الرسالة.
وعلّق على بعض المسائل التي تحتاج إلى بيان أو إيضاح مراعياً الاختصار.
دون إطالة تُثقل الكتاب بالحواشي أو تُخرجه عن مقصده في التحقيق.
٢٤
شرح المفردات والمصطلحات
اعتنى المحقق بشرح الألفاظ الغريبة التي وردت في متن الرسالة.
ومن ذلك ألفاظ متعلقة بأوصاف البناء، كالجريد والسعف والمدر والقصب.
وألفاظ فقهية واعتقادية دقيقة تحتاج إلى توضيح لغير المتخصص.
كما عرّف بالفرق الكلامية التي ورد ذكرها في الرسالة كالمعتزلة والنجارية.
وعرّف بالأماكن والبلدان الواردة في النص، كجواثى وحرّان والإسكندرية.
ليتمكن القارئ من فهم السياق التاريخي والجغرافي للرسالة فهماً دقيقاً.
كما اعتمد المصادر اللغوية المعتبرة كلسان العرب ومقاييس اللغة في الشرح.
ومعاجم البلدان المعتبرة كمعجم البلدان لياقوت الحموي في تحديد المواضع.
وبذلك أخرج المحقق نصاً واضحاً مقروءاً لعامة طلبة العلم لا للمتخصصين فقط.
محافظاً في الوقت نفسه على الدقة العلمية والأمانة في نقل النص الأصلي.
٢٥
فهرس المصادر ونطاق البحث
ختم المحقق بحثه بفهرس شامل لمصادره ومراجعه التي استند إليها.
بلغت هذه المصادر أكثر من مئة مصدر ومرجع في شتى فنون العلم.
شملت كتب التفسير كتفسير الطبري وابن كثير والقرطبي والسعدي.
وكتب الحديث كالصحيحين والسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم.
وكتب العقيدة كشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي والإبانة لابن بطة.
وكتب الفقه كالمغني لابن قدامة والحاوي الكبير للماوردي والوسيط للغزالي.
وكتب التراجم والطبقات كسير أعلام النبلاء وطبقات الحنابلة وتاريخ بغداد.
وكتب اللغة والمعاجم كلسان العرب ومعجم البلدان والقاموس المحيط.
وهذا التنوع في المصادر يعكس عمق البحث وشمول منهجه العلمي المتكامل.
ويجعل من هذا التحقيق مرجعاً موثوقاً لدارسي تراث شيخ الإسلام ابن تيمية.
مسألة الفرقة والاختلاف: الأصول النظرية
النقاط ٢٦ – ٣٠
٢٦
تعريف الفرقة والافتراق
خصّص المحقق مبحثاً لدراسة أهم مسألة أثارتها الرسالة: الفرقة والاختلاف.
عرّف الفرقة والافتراق لغة بأنهما خلاف الاجتماع، بل هما ضده تماماً.
بمعنى الانقسام والمباينة والانفصال بين أفراد الجماعة الواحدة عن بعضهم.
أما في الشرع فالفرقة هي الخروج عن جماعة أهل الإسلام في أصل من أصول الدين.
سواء كان ذلك الأصل اعتقادياً يتعلق بالعقيدة، أو عملياً يتعلق بالسلوك.
ويدخل في هذا المفهوم الخروج على الأمة بالسيف ومنازعة ولي الأمر.
والتفرق بهذا المفهوم مما نهى عنه الشارع الحكيم أشد النهي والتحذير.
بل اهتم به القرآن الكريم والسنة النبوية وسلف هذه الأمة اهتماماً بالغاً.
لِما يترتب عليه من ضعف ووهن أمام أعداء الأمة واستغلالهم لذلك الضعف.
وسيطرتهم على خيراتها وثرواتها متى ما تحقق لهم هذا الانقسام بين أبنائها.
٢٧
الأدلة القرآنية على ذم التفرق
استحضر ابن تيمية آيات كثيرة من كتاب الله في ذم التفرق والدعوة للائتلاف.
منها قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"، من سورة آل عمران.
وقوله سبحانه: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات".
وقوله عز وجل: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء".
وهي آيات صريحة في النهي عن التفرق والدعوة للاجتماع على الكتاب والسنة.
استدل بها ابن تيمية على أن الجماعة هي الأصل الذي بُني عليه هذا الدين.
وأن الافتراق خروج عن هذا الأصل يستوجب التحذير الشديد منه ومن أسبابه.
كما استحضر آيات تصف يوماً تبيَضّ فيه وجوه أهل السنة وتسودّ وجوه أهل البدعة.
ليبيّن للناس عاقبة الافتراق والتفرق في الدنيا والآخرة على حد سواء.
وليدعوهم إلى التمسك بجماعة المسلمين والابتعاد عن أسباب الفرقة والاختلاف.
٢٨
حديث افتراق الأمة والجماعة الناجية
استشهد ابن تيمية بحديث افتراق الأمم السابقة وهذه الأمة إلى فرق متعددة.
ومفاده أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين.
وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.
فقيل: يا رسول الله من هي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "الجماعة".
وهو حديث وإن تُكلّم في بعض ألفاظه، فقد رُوي صحيحاً من طرق عدة.
عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، وتلقته هذه الأمة بالقبول عبر عصورها.
وممن صححه من أهل العلم الحاكم في مستدركه وغيره من أئمة الحديث.
ورواه أيضاً أهل السنن من الأئمة الأربعة المشهورين في كتبهم المعتمدة.
بيّن ابن تيمية أن هذا الحديث أصل عظيم في النهي عن التفرق والدعوة للجماعة.
ووصف "الجماعة" فيه بأنها الفرقة الناجية التي عصمها الله من الهلاك.
٢٩
المراد بالجماعة عند العلماء
اختلف العلماء في تحديد المراد بـ"الجماعة" الواردة في حديث الافتراق على أقوال.
القول الأول: أن المراد بهم الصحابة رضي الله عنهم على وجه الخصوص دون من بعدهم.
القول الثاني: أن المراد بهم الأئمة المجتهدون من أهل العلم في كل عصر.
القول الثالث: أن المراد بالجماعة السواد الأعظم من أهل الإسلام في كل زمان.
القول الرابع: أنهم جماعة أهل الإسلام الذين اجتمعوا على أمر واحد جامع لهم.
القول الخامس: أنهم جماعة المسلمين الذين اجتمعوا على أمير واحد يظهر بينهم.
والراجح عند ابن تيمية أن السواد الأعظم والجمهور الأكبر من المسلمين هم الجماعة.
أي من اجتمع من المسلمين على الأخذ بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله.
وأشار إلى الحديث الآخر: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب"، مؤكداً هذا المعنى العام.
وبذلك تكون الجماعة أوسع من فئة معينة، وهي كل من التزم هذا المنهج عبر العصور.
٣٠
أنواع الاختلاف: تنوّع وتضاد
قسّم ابن تيمية أنواع الاختلاف الواقع بين الأمة إلى قسمين رئيسين في أصله.
القسم الأول: اختلاف التنوع، وهو ما يكون فيه كل قول أو فعل حقاً مشروعاً.
كاختلاف القراءات القرآنية التي اختلف فيها الصحابة حتى كادوا يتجادلون فيها.
فزجرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال لهم: "كلاكما محسن".
ومثله اختلاف صفة الأذان والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات بين الصحابة.
وتكبيرات صلاة الخوف والعيد والجنازة، وكلها اختلافات مشروعة لا تستوجب التنازع.
القسم الثاني: اختلاف التضاد، وهو القولان المتنافيان اللذان لا يجتمعان معاً.
سواء كان ذلك في أصول الدين الاعتقادية أو في فروعه الفقهية العملية.
وهذا النوع هو الأشد خطراً؛ لأن أحد القولين فيه باطل يجب بيانه والرد عليه.
إلا عند من يرى أن كل مجتهد مصيب، فيكون عنده من باب اختلاف التنوع لا التضاد.
نص الرسالة: الفتح، وفضل أهل البحرين، ومسألة الجمعة
النقاط ٣١ – ٤٠
٣١
مطلع الرسالة وعنوانها الداخلي
افتتح ابن تيمية رسالته بالبسملة، ثم الاستعانة بالله والصلاة على النبي وآله.
ثم كتب: "من أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية".
"إلى من يصل إليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل البحرين وغيرهم عامة".
"وإلى أهل العلم والدين خاصة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد".
ثم حمد الله الذي لا إله إلا هو، وأثنى على رسوله محمد خاتم الأنبياء.
الذي بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً.
ثم بيّن سبب كتابته لهذه الرسالة: قدوم وفد من نحو أرضهم عليه.
فأخبروه بما كان يبلغه عن أهل ناحيتهم من الاعتصام بالسنة والجماعة.
والتزام الشريعة التي شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومجانبة كثير مما عليه بعض الأعراب من بقايا عادات الجاهلية القديمة.
٣٢
تحذيره من عادات الجاهلية
حذّر ابن تيمية أهل البحرين من بقايا عادات أهل الجاهلية قبل الإسلام.
ومن ذلك سفك بعضهم دماء بعض، ونهب أموالهم، وقطيعة الأرحام بينهم.
ومن ذلك أيضاً توريث الذكور دون الإناث، خلافاً لما فرضه الله في كتابه.
والتعزّي بعزاء الجاهلية بقول: يا لبني فلان، والتعصب للقبيلة بالباطل.
وترك ما فرض الله من أحكام في النكاح والعدة ونحوها من أمور الأسرة.
وذكر أن الشيطان زيّن لفريق منهم شيئاً من هذه العادات الأهوائية القديمة.
التي باينوا بها عقائد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم.
وخالفوا بها شريعة الله التي تأمر بالاستغفار للأولين من أهل الإيمان.
كما جاء في قوله تعالى: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان".
ودعاهم بذلك إلى التمسك بهدي السلف الصالح والبعد عن عصبيات الجاهلية.
٣٣
فضل أهل البحرين وسابقتهم في الإسلام
بيّن ابن تيمية أن هذا الاعتصام بالسنة ليس بدعاً من أهل البحرين.
فأهل البحرين ما زالوا منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل إسلام وفضل.
فقد قدم وفدهم من عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين.
وكانوا أربعة عشر راكباً في وفادتهم المشهورة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وسبب وفودهم أن قافلة لهم كانت تتجر إلى المدينة فأسلم على يد النبي أحدهم.
ثم عاد إلى قومه فأخبرهم بأمر النبي، فأسلموا وأرسلوا وفدهم إليه.
وفي الوفد كان الأشج العصري المنذر بن عائذ، وهو الذي مدحه النبي بخصلتين.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
فقال الأشج: يا رسول الله، أُخُلقت بهما أم جُبلت عليهما؟ فقال: "بل جبلت عليهما".
فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
٣٤
ثبات أهل البحرين إبّان الردّة
بيّن ابن تيمية أن أهل البحرين ثبتوا على الإسلام حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في الوقت الذي ارتد فيه كثير من قبائل العرب عن دينهم بعد وفاة النبي.
فقاتلوا أهل الردة منهم بقيادة أميرهم العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه.
وهو صحابي جليل من رجال الفتوح في صدر الإسلام، ولّاه النبي البحرين.
ويُعدّ أول من ركب البحر غازياً في سبيل الله في تاريخ الإسلام.
وذكر معه في الثبات على الإسلام مشاركة رجل من الصالحين ممن ثبتوا حينها.
وذكر ابن تيمية أن هذا الثبات مسجَّل في السيرة النبوية وأخبار حسّان بن ثابت.
كما دعا الله سبحانه أن يوفقهم لما وفّق له آخرهم كما وفّق أولهم من قبل.
بذلك يربط ابن تيمية بين حاضر أهل البحرين في عصره وسابقتهم التاريخية.
ليستحثهم على الاقتداء بأسلافهم في الثبات على الحق ونبذ أسباب الفرقة.
٣٥
خبر الوفد عن إقامة الجمعة
حدّثه بعض الوفد أنهم يُجَمِّعون الجمعة ببعض أرضهم، فسألهم عن صفة المكان.
فقالوا: هناك مسجد مبني ببَدَر، وحوله أقوام كثيرون مقيمون مستوطنون.
لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفاً، إلا أن يُخرجهم أحد بقهر وغلبة عليهم.
بل هم وآباؤهم من قبلهم مستوطنون بهذا المكان كاستيطان سائر أهل القرى.
لكن بيوتهم ليست مبنية بالمدر أو الحجارة أو الجص، بل بمواد أخرى محلية.
فبيوت سائر أهل القرى في ذلك الموضع مبنية من جريد النخل أو القصب أو نحوه.
وليست بيوتاً مشيدة من مادة صلبة كالمدر أو الطين أو اللبن أو الحجارة.
فأثارت هذه الصفة تساؤلاً فقهياً حول جواز إقامة الجمعة في مثل هذا المكان.
فبيّن ابن تيمية حكم هذه المسألة استناداً إلى نصوص الشرع وأقوال أهل العلم.
وربط هذا الحكم الفقهي بواقعة تاريخية مماثلة وقعت في عهد الصحابة بالبحرين.
٣٦
حكم الجمعة في القرى الصغيرة
بيّن ابن تيمية أن مثل هذه الصورة تُقام فيها صلاة الجمعة عند جمهور العلماء.
فإن قوماً كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفاً تنعقد بهم.
سواء كان بناؤهم من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك.
فإن مادة البناء وأجزاءه لا تأثير لها في حكم انعقاد صلاة الجمعة أصلاً.
إذ الأصل المعتبر شرعاً أن يكونوا مستوطنين، لا كأهل الخيام والحلل المرتحلين.
الذين ينتجعون في الغالب مواضع القطر ويتنقلون في البقاع طلباً للكلأ والماء.
وذكر أن هذا هو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية وأكثر أصحاب أحمد.
خلافاً لظاهر قول أبي حنيفة الذي اشترط أن تقام الجمعة في المدن دون القرى.
وبيّن أن معنى كلام الفقهاء المختصرين "لا تقام الجمعة إلا في القرى" ليس على ظاهره.
بل المقصود عندهم أن تقام في قرية مبنية اتصالاً أو تقارباً يشملها اسم واحد.
٣٧
أدلة إقامة الجمعة في القرى
استدل ابن تيمية بحديث ابن عباس رضي الله عنهما المأثور في هذه المسألة.
ومفاده: أن أول جمعة جُمّعت في الإسلام بعد جمعة المدينة كانت بقرية جواثى.
وجواثى قرية من قرى البحرين، سكنها بنو عبد القيس المشهورون في تاريخ الإسلام.
وهذا الحديث دليل على مشروعية إقامة الجمعة في القرية غير المصر الكبير.
كما استدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الباب أيضاً.
ومفاده أن أبا هريرة كان عاملاً على البحرين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فكتب إلى أمير المؤمنين عمر يستأذنه في إقامة الجمعة بقرية من قرى البحرين.
فكتب إليه عمر رضي الله عنه: "أقيموا الجمعة حيثما كنتم"، وهو نص صريح في الجواز.
وقد أخرج هذا الأثر الإمام الدارمي في سننه بإسناد جيد كما نصّ عليه الأئمة.
وبهذين الدليلين ثبتت مشروعية إقامة الجمعة في القرى المستوطَن بها ولو صغيرة.
٣٨
الفرق بين المستوطنين وأهل الخيام
فصّل ابن تيمية الفرق بين أهل القرى المستوطنين وأهل الخيام من وجهين اثنين.
الوجه الأول: أن المستوطنين في العادة الغالبة يقيمون في مكان بعينه دون تنقل.
بينما أهل الخيام، وإن استوطن فريق منهم مكاناً، فهم في مظنة الانتقال عنه.
بخلاف أهل الجريد والقصب المستوطنين الذين يحرثون ويزرعون ولا يتنقلون إلا لحاجة.
الوجه الثاني: أن بيوت أهل الخيام تُنقل معهم حين انتقالهم، فهي من المنقول لا العقار.
بخلاف بيوت الجريد والقصب والخشب، فإن أصحابها لا ينقلونها إذا انتقلوا.
بل يبنون في المكان الجديد بمثلها من المواد المتوفرة محلياً دون نقل القديم.
ومن هنا فرّق العلماء بين حكم هؤلاء وحكم أولئك في انعقاد صلاة الجمعة بهم.
ونقل عن الإمام أحمد قوله: "ليس على البادية جمعة لأنهم ينتقلون فلا تنعقد بهم".
بخلاف المستوطنين وإن كان بناؤهم من مواد خفيفة كالجريد والقصب والسعف.
٣٩
نقاش فقهي حول شرط البناء
ناقش ابن تيمية من قال باشتراط أن يكون البناء بمادة صلبة كالمدر أو الحجارة.
وبيّن أن هذا فهم خاطئ لكلام الفقهاء المختصرين حين قالوا: لا تقام الجمعة في القرى.
موضحاً أن مرادهم أن تكون القرية مبنية اتصالاً أو تقارباً بحيث يشملها اسم واحد.
لا أن يُشترط في مادة البناء أن تكون من طين أو كِلْس أو حجارة أو لبن.
ونقل عن الإمام أحمد وأصحابه من الخراسانيين كصاحب "الوسيط" جواز إقامتها ببيوت السعف.
كما نقل عن بعض العراقيين جواز إقامتها ببيوت السعف أيضاً موافقاً لهذا الرأي.
بينما خالف الماوردي في "الحاوي"، فذكر أن بيوت القصب والجريد لا تقام فيها الجمعة.
ورجّح ابن تيمية القول بالجواز، لضعف هذا التفريق ومخالفته لما دلّ عليه الآثار والقياس.
ولما دلت عليه كتابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إقامة الجمعة بالبحرين.
وختم هذه المسألة الفقهية موضحاً أن الشريعة جاءت من عند الله جامعة لكل خير.
٤٠
الانتقال إلى أصل الرسالة العقدي
بعد استيفاء المسألة الفقهية المتعلقة بإقامة الجمعة، انتقل ابن تيمية إلى صلب رسالته.
وهو بيان أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب.
وكان قد بعثه إلى ذوي أهواء متفرقة وقلوب متباينة وآراء متشتتة بين الناس.
فجمع به الشمل، وألّف به بين القلوب، وعصمهم به من كيد الشيطان ووساوسه.
ثم بيّن أن الله سبحانه جعل الجماعة عماد الدين وأصله الذي يقوم عليه.
فقال سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
"واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم".
فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها بهذا الدين العظيم.
كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون، وبهذا الاستهلال ينتقل إلى صلب الرسالة.
الذي هو النهي عن التفرق والدعوة إلى الاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله.
نص الرسالة: رؤية الكفار لربهم، وآداب الاختلاف، والخاتمة
النقاط ٤١ – ٥٠
٤١
كراهية الجدال المفضي للفرقة
بيّن ابن تيمية أن النبي صلى الله عليه وسلم كره من المجادلة ما يفضي إلى التفرق.
وقد خرج ذات مرة على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر جدالاً شديداً.
فكأنما فُقئ في وجهه حَبُّ الرمّان من شدة غضبه صلى الله عليه وسلم عليهم.
وقال لهم منكراً: "أبهذا أُمرتم، أم بهذا أُرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم".
"بضربهم كتاب الله بعضه ببعض"، وهو تحذير صريح من ضرب النصوص بعضها ببعض.
كما استشهد بقول عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في هذا الشأن.
إذ قال: "فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس"، تحرزاً من مثله.
ثم أورد الحديث المشهور في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
وهي "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وفي رواية أخرى "الجماعة".
بذلك ربط ابن تيمية بين النهي عن الجدال المفضي للفرقة ووصف الفرقة الناجية.
٤٢
منهج السلف في الاختلاف
بيّن ابن تيمية أن العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا إذا تنازعوا في أمر.
اتبعوا قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر".
"ذلك خير وأحسن تأويلاً"، فكانوا يردون الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله عند التنازع.
وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، لا مناظرة خصومة وعداوة بينهم.
وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة بينهم كإخوة.
استشهد بموقف عائشة رضي الله عنها التي خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة.
في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء والمعراج، فقالت رضي الله عنها.
"من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"، مع بقاء المودة بينهم.
كما ذكر مناظرة الإمام أحمد لقوم من أهل السنة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة.
حتى ارتفعت الأصوات في المناظرة، ومع ذلك لم يهجر أحمد من خالفه في هذه المسألة.
٤٣
طرح المسألة المحورية للرسالة
بعد هذا التمهيد المنهجي، انتقل ابن تيمية إلى المسألة التي كتب الرسالة من أجلها.
وهي مسألة رؤية الكفار والمنافقين لربهم عز وجل في عرصة القيامة قبل الحساب.
بيّن أن هذه المسألة نشأت بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة النبوية تقريباً.
وأن الناس تنازعوا فيها من غير أن يعلم أحد المتنازعين أنه أساء الأدب في ذلك.
ولم يتقاطعوا فيها ولم يتهاجروا بسببها؛ إذ فيها قوم من أهل السنة وأصحاب فضل.
والكلام فيها قريب من الكلام في مسألة محاسبة الكفار يوم القيامة هل يحاسبون أم لا.
والصحيح أنها مسألة اجتهادية لا يضيق فيها الأمر ولا يُهجر أحد من أجلها.
وحُكي عن أبي الحسن بن بشار الزاهد أنه كان يقول: لا يُصلى خلف من يقول لا يحاسبون.
والصواب الذي عليه الجمهور أنه يُصلى خلف الفريقين، وأن الخلاف بينهم يكاد يرتفع عند التحقيق.
بذلك يهيئ ابن تيمية أهل البحرين لفهم أن هذه المسألة لا تستوجب ما وقع من فرقة.
٤٤
الأقوال الثلاثة في المسألة
عرض ابن تيمية الأقوال الثلاثة التي قيلت في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.
القول الأول: أن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر منهم للكفر ولا المسرّ له.
وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
القول الثاني: أنه يراه من يراه مؤمنو هذه الأمة، ومنافقوها، وغبراتها، وأهل الكتاب.
وذلك في عرصة القيامة قبل الحساب، ثم يُحتجب بعد ذلك عن المنافقين خاصة.
وهذا قول أبي بكر بن خزيمة، وهو إمام من أئمة أهل السنة المعتبرين.
وقد ذكر القاضي أبو يعلى نحو هذا القول في حديثه عن الموقف يوم القيامة.
القول الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب، ثم يُحتجب عنهم بعد ذلك.
إذا رأى السلطان أن ذلك أنسب، كما يُعذَّب اللص أحياناً بعد أن يُعرَّف بجرمه.
وذكر ممن قال بهذا القول: أبو الحسن بن سالم وأصحابه، وأبو سهل بن عبدالله التستري.
٤٥
أدلة القولين المتقابلين
ذكر ابن تيمية أدلة القائلين بنفي الرؤية مطلقاً عن الكفار في عرصة القيامة.
ومنها قوله تعالى: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"، من سورة المطففين.
استدلوا بهذه الآية على أن الحجاب عام دائم لجميع الكفار في كل الأحوال.
ونقل هذا القول عن ابن بطة والبربهاري وغيرهما من أئمة أهل السنة.
في المقابل، ذكر ابن تيمية أدلة القول بمعنى اللقاء الوارد في القرآن الكريم.
ومنها قوله تعالى: "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه"، وقوله: "فمن كان يرجو لقاء ربه".
وقوله سبحانه: "الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون".
كما استدل المثبتون بآيات: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه".
وبيّن أن أهل السنة من القدماء فسّروا "اللقاء" في هذه الآيات بأنه رؤية ومعاينة بالأبصار.
خلافاً لمن جعله بمعنى القرب المعنوي أو الحشر فقط دون رؤية حقيقية بالأبصار.
٤٦
حديث الرؤية الطويل
أورد ابن تيمية من أقوى ما تمسك به المثبتون حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الذي رواه مسلم في صحيحه، ومفاده أن الصحابة سألوا النبي: هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "هل تُضارّون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب؟".
قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فهل تُضارّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟".
قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالذي نفسي بيده لا تُضارّون في رؤية ربكم إلا كما تضارّون في رؤيتهما".
ثم يذكر الحديث كيف يلقى العبد ربه فيقول له: عبدي، ألم أكرمك؟ ألم أزوجك؟
ألم أسخّر لك الخيل والإبل وأتركك ترأس وتربَع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟
فيقول: لا. فيقول الله: فاليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني ثم الثالث بمثل ذلك.
ثم ينادي مناد: ألا يتبع كل أمة ما كانت تعبد، ويوضع الجسر ويُكشف عن ساق.
ويستمر الحديث في وصف مشهد الصراط والشفاعة، وذكره ابن تيمية بتمامه في رسالته.
٤٧
توجيه المؤلف للجمع بين الأدلة
بعد عرض أدلة الفريقين، أشار ابن تيمية إلى إمكان الجمع بين هذه النصوص المتقابلة.
فحديث الرؤية العامة يُحمل على أنه في عرصة القيامة قبل تمام الفصل بين الخلق.
بينما آية الحجاب "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" تُحمل على الحجاب الدائم بعد ذلك.
أي أن الكفار قد يرون في تلك العرصة العامة، ثم يُحجبون عن ربهم حجباً أبدياً بعدها.
وهذا الحجب بعد ذلك اليوم هو عقوبتهم الدائمة التي تلازمهم في نار جهنم أبد الآبدين.
وبهذا يزول التعارض الظاهري بين النصوص، ويحصل الفرق بين المؤمنين والكفار في هذا الحجب.
فإنه سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين في الجنة عموماً وخصوصاً دائماً أبداً بلا حجب.
بخلاف الكفار الذين يُحجبون عن رؤيته سبحانه حجباً دائماً بعد تلك العرصة العامة.
ورجّح ابن تيمية أن هذا النوع من الرؤية العامة للخلائق قد يكون نوعاً ضعيفاً منها.
ليس من جنس الرؤية الكاملة التي يختص بها المؤمنون في جنات النعيم دون سواهم.
٤٨
آداب الاختلاف التي دعا إليها
ختم ابن تيمية رسالته بجملة من الآداب الواجب مراعاتها عند الاختلاف في مثل هذه المسائل.
منها: أن من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يبتدع فيها شيئاً، لا يحل هجره.
فإن من أعظم البدع هجر الساكت الذي لم يدعُ إلى قوله ولم يتعصب له.
ومنها: ألا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة يمتحنون بها الخلق.
ولا شعاراً يفضلون بها إخوانهم وأضدادهم؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله.
ومنها: ألا يُفاتَح عوام المسلمين بهذه المسألة، فهم في عافية وسلام من الفتن.
فإن سُئل الرجل عنها ممن يراه أهلاً لتعريفه ألقى إليه من العلم ما يرجو النفع به.
ومنها: أن العقوبة تُدرأ بالشبهات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات".
وأن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، كما ورد في الحديث.
خصوصاً إذا آل الأمر إلى شر طويل وافتراق أهل السنة، بسبب خطأ نفر قليل في مسألة فرعية.
٤٩
الغاية من الرسالة وختامها
بيّن ابن تيمية أن غايته من كتابة هذه الرسالة ليست استيعاب القول في هذه المسألة.
ولا بيان حقيقة الأمر فيها بيان استقصاء تام؛ فربما كتب في ذلك مستقبلاً إن دعت الحاجة.
وإنما كتب الرسالة في هذا الوقت لأنه رأى الحاجة إلى انتظام أمر أهل البحرين آكد.
وأن المقصود الأكبر من هذه الرسالة إنما هو إصلاح ذات البين وتأليف قلوبهم من جديد.
ثم ختم رسالته بالدعاء المأثور عن عائشة رضي الله عنها في وصف صلاة النبي بالليل.