سُطور من أوال · تلخيص إبداعي

حديث قدوم وفد عبد القيس: رواية ودراية

تلخيص إبداعي في ٢٥٠ نقطة لبحثٍ محكّم يجمع طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ويحلّل ألفاظه، ويستخرج فوائده — وصلته بتاريخ إسلام أهل جزيرة أوال

الباحث: أ.د. يحيى بن عبدالله البكري الشهري المصدر: مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية المجلد ١٧ · العدد ٢ · ١٤٤٢هـ / ٢٠٢١م
٢٥٠نقطة تلخيصية
١٠طرق عن أبي جمرة
٩شواهد من الصحابة
٢٨فائدة مستخرجة
١٠أبواب
هذه صفحة تعريفية أعدّتها منصّة سُطور من أوال بأسلوب سردي إبداعي تقريبًا لموضوع بحثٍ أكاديمي محكّم، وليست نصّه الأصلي حرفيًا؛ ولمزيد من الدقة والتوثيق الكامل بالأسانيد والحواشي يُرجى الرجوع إلى البحث المنشور أصلاً في المجلة المذكورة أعلاه. هذا الملف يضمّ ٢٥٠ نقطة موزّعة على عشرة أبواب، كل نقطة في نحو تسعة أسطر.
٠

المقدّمة والمنهجيّة

عن هذا البحث ومسلكه في التحقيق

١

عنوان البحث ومصدره

«حديث قدوم وفد عبد القيس: رواية ودراية» بحث محكّم نُشر في مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، المجلد السابع عشر، العدد الثاني، سنة ١٤٤٢هـ الموافق ٢٠٢١م، ضمن عدد ضمّ عشرة أبحاث في الفقه والعقيدة والتفسير والحديث، وجاء بحث الوفد خاتمتها وأوسعها نفَساً في التحقيق الحديثي.

٢

الباحث وموضعه العلمي

أعدّ البحث الأستاذ الدكتور يحيى بن عبدالله بن يحيى البكري الشهري، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين في جامعة الملك خالد، وهو عمل يجمع بين دقّة الصنعة الحديثية وسعة الاطّلاع على مصادر التخريج القديمة والحديثة، ويكشف عن باحثٍ متمرّس في تتبّع الطرق ومقارنة الألفاظ.

٣

لماذا وفد عبد القيس بالذات

اختار الباحث هذا الوفد لأنه أشهر وفود القبائل العربية التي قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، وشهرته ليست في عدد أفراده بل في جودة سؤالهم عن أصول الإسلام والإيمان، وفي صحّة أسانيد قصّته وتخريجها في دواوين الإسلام الكبرى، فصار الحديث نموذجاً تعليمياً يُدرَّس به أصل الدين قبل فروعه.

٤

مشكلة البحث

ينطلق البحث من ملاحظة أن حديث ابن عباس في قصة الوفد روته عنه طرق كثيرة تختلف ألفاظها وتتفاوت زياداتها، فكان لا بدّ من جمع هذه الطرق وترتيبها وبيان أوجه الاختلاف بينها وتعليل ما وقع فيها من تفاوت، إذ إن كثيراً من الدارسين يقرأ الحديث في موضع واحد دون أن يستحضر بقية رواياته المتفرقة في الدواوين.

٥

الهدف من الجمع والتخريج

يهدف البحث إلى جمع طرق حديث ابن عباس وعزوها إلى من أخرجها، والفصل في صحة بعض الطرق وعللها، وبيان الراجح بأدلته، وبيان بعض الإشكالات الواردة فيه، وشرح غريبه، واستنباط فوائده؛ فهو إذن عمل مزدوج يخدم الرواية بالتخريج والدراية بالشرح والاستنباط معاً، لا يقتصر على أحدهما.

٦

منهج البحث: الرواية والدراية

عنوان البحث نفسه يفصح عن منهجه: فعلم الرواية هو ما يُعلم به أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقاريره وضبطها وروايتها وتحرير ألفاظها، وعلم الدراية هو ما يُعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم؛ وقد سار الباحث على الجمع بين الجانبين في كل مبحث من مباحثه الثلاثة.

٧

خطوات العمل التسع

رسم الباحث لنفسه تسع خطوات منهجية دقيقة: التعريف بمدار الروايات أبي جمرة، ترتيب الرواة عنه على حروف المعجم، ترتيب مصادر التخريج في كل طريق على العلو بدءاً بالأصول، سرد شواهد المتن مرتبة كذلك، تخريج ألفاظ الحديث وزياداتها على أول رواية في البخاري، ذكر معاني الألفاظ، ذكر الفوائد، التعريف بالأماكن، والاكتفاء بالعزو برقم الجزء والصفحة.

٨

خطة البحث الثلاثية

جاءت خطة البحث على النحو الآتي: مقدمة بيّنت أهمية البحث وخطته، وتمهيد عرّف بوفد عبد القيس نسباً وديار، ثم ثلاثة مباحث: الأول في ذكر طرق حديث ابن عباس ومتابعاته وشواهده، والثاني في ذكر اختلاف ألفاظ الحديث ومعانيه، والثالث في ذكر فوائد الحديث، ثم خاتمة لخّصت أبرز النتائج التي توصّل إليها البحث.

١

التمهيد

التعريف بوفد عبد القيس: اللغة والنسب والديار

٩

الوفد في اللغة عند ابن سيده

يفتتح الباحث التمهيد بتعريف لغوي دقيق: قال ابن سيده في «المحكم»: الوَفْد بإسكان الفاء اسم جمع، وقيل جمع، وأما الوُفود بضم الفاء فجمع وافد؛ وهذا التفريق بين اسم الجمع والجمع الحقيقي تفريق صرفي دقيق يكشف عن عناية الباحث باستقصاء أصل الكلمة قبل الخوض في القصة التاريخية نفسها.

١٠

تعريف القاموس المحيط

نقل الباحث عن الفيروزآبادي في «القاموس المحيط»: وفَد إليه وعليه يَفِد وَفْداً ووُفوداً وفِدادةً وإفادةً، على البدل، بمعنى قَدِم وورد؛ وأوفدَه عليه وإليه فهم وُفّاد ووُفود وأوفاد ووَفَّد، وهذا التنويع في صيغ الفعل والمصدر يدل على غنى المادة اللغوية «وفد» في العربية ووفرة استعمالاتها القديمة.

١١

قول الأصمعي وتعريف النووي

قال الأصمعي: وفَد فلانٌ يَفِد وِفادةً إذا خرج على ملك أو أمير، فربط المعنى اللغوي بسياق سياسي واجتماعي محدد. أما النووي فنقل عن صاحب «التحرير في شرح مسلم» أن الوفد هو الجماعة المختارة من القوم ليتقدّموهم في لقي العظماء والمصير إليهم في المهمّات، وواحدهم وافد؛ وبهذا يتضح أن الوفادة اختيار وتمثيل لا مجرد سفر.

١٢

سنة الوفود وتسمية عام الوفود

يبيّن الباحث أن السنة التاسعة من الهجرة سُمّيت سنة الوفود لقدوم وفود قبائل العرب على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام قبائلها بعد فتح مكة وغزوة تبوك، إذ توالت الوفود على المدينة النبوية حتى بلغت العشرات من شتى نواحي الجزيرة العربية، وكان من أوائلها وأشهرها مكانة في الإسلام وفد عبد القيس، وهو محور هذا البحث.

١٣

نسب عبد القيس الكامل

يُنسبون إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، بن معد بن عدنان؛ فولد أفصى بن دُعمي عبد القيس، فولد أفصى بن عبد القيس: شنّ ولُكيز، وهما قبيلا عبد القيس الكبيرين؛ وفيهم بطون كثيرة، ذكر منها المبرد في «نسب عدنان وقحطان» أحد عشر بطناً، مما يدل على اتساع هذه القبيلة وتشعّبها.

١٤

تحقيق الباحث في مفردات الأنساب

لم يكتفِ الباحث بذكر النسب مجرداً، بل حقّق كل اسم لغوياً: فذكر أن «أفصى» من التفصّي أي التخلّص، و«دُعمي» من الدَّعْم الشديد، و«جديلة» بطن من طيّئ أيضاً وقيس، و«شنّ» ارتبط اسمه بالمثل السائر «وافق شنٌّ طبقة»، و«لُكيز» بالتصغير ابنا أفصى، وهذا التدقيق اللغوي يكشف عن منهج موسوعي في خدمة النص التاريخي.

١٥

مثل «وافق شنّ طبقة»

يروي الباحث قصة هذا المثل المشهور: أن شنّاً كان بطناً من إياد أغارت عليه عرامة فاستباحته، فقالت العرب: وافق شنّ طبقة، وذكر أيضاً رواية أخرى عن ابن السكّيت مفادها أن طبقاً حيّ من إياد وشنّاً ابن أفصى بن عبد القيس، وأن شبّية لم يُقام لها فواقعتها طبق فانتصفت منها، فقيل: وافق شنٌّ طبقة واتفقاه فاعتنقه.

١٦

مواطن القبيلة في البحرين ونهاية الأرب

نقل الباحث عن النويري في «نهاية الأرب» أن ديار عبد القيس كانت بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين، وكان بها خلق كثير من بكر بن وائل وتميم، فلما نزل بها عبد القيس زاحموهم في تلك الديار، وقاسموهم في المواطن؛ فهذا يثبت أن القبيلة لم تكن أصيلة في البحرين بل نزحت إليها بعد صراع سكاني مع من سبقها من القبائل.

١٧

رواية البلاذري في أنساب الأشراف

يفصّل البلاذري في «أنساب الأشراف» رحلة القبيلة: خرجت عبد القيس ومعهم بنو شنّ تطلب المتّسع حتى بلغوا هجر وأرض البحرين، فرأوا بلداً استحسنوه وروّقوه، فضامّوا من به من إياد والأزد، وشدّوا خيلهم بالنخل، فقالت إياد: عرف النخل أهله، فذهبت مثلاً؛ ثم اجتمعت عبد القيس والأزد على إياد فأخرجوهم عن الدار فأتت العراق.

١٨

حدود مواطن القبيلة الجغرافية

يحدّد مرقاة المفاتيح لملا علي القاري مواطن قبيلة عبد القيس بأنهم كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف، وما بين هجر إلى الديار المضرية؛ وهذا التحديد الجغرافي الدقيق يهم الباحثين في تاريخ البحرين تحديداً، لأنه يربط بين النص الحديثي النبوي وبين الجغرافيا التاريخية لمنطقة الخليج العربي قبيل الإسلام وبعده.

١٩

مذاهب النسبة إلى عبد القيس

يختم الباحث التمهيد بذكر ما نقله القلقشندي في «نهاية الأرب» من أن في النسبة إلى عبد القيس ثلاثة مذاهب: أحدها «عبديّ» على النسبة الأولى، والثاني «قيسيّ» على النسبة الثانية، والثالث «عبقسيّ» على النسبة إليهما جميعاً؛ وهذا التنويع اللغوي في صيغة الانتساب يعكس عمق جذور هذه القبيلة في الذاكرة اللغوية العربية القديمة.

٢٠

سبب إسلامهم المبكر وبُعد ديارهم

يشير الباحث إلى أن القبيلة أقدمت على الإسلام راغبة طائعة لِما سمعت عنه من رحمة وعدل وحبّ وإخاء، ولحسن مسألتهم عن دينهم، وحسن إسلامهم، وإقامتهم عليه بعد أن ارتدت العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا الثبات على الإيمان زمن الردة يفسّر لماذا صار هذا الوفد بالذات مضرب المثل في حسن السؤال وصدق الاتّباع.

٢١

بُعد الديار وأثره في القصة

يربط الباحث بين بُعد ديار عبد القيس عن المدينة وبين ما ورد في الحديث من قولهم: يا رسول الله إنا نأتيك من شقّة بعيدة، أي مسافة بعيدة وسفر طويل، فهذا التفصيل الجغرافي ليس حشواً بل هو مفتاح لفهم عبارات الحديث نفسها لاحقاً، ولفهم سبب طلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيهم بأمر فصل يبلّغونه لمن وراءهم.

٢٢

الوفادة في السيرة عموماً

يذكر الباحث أن السيرة النبوية حفلت بعبارات من نوع «وفد قبيلة كذا» و«وافد بني فلان» كما في هذا الحديث بالذات، وأن هذا النمط من التعبير أصبح صيغة سردية ثابتة عند مؤرخي السيرة لوصف قدوم ممثّلي القبائل، وهو ما يجعل دراسة حديث واحد من هذا الباب مدخلاً لفهم ظاهرة الوفود النبوية بأكملها في السنة التاسعة.

٢٣

قيمة التمهيد المنهجية

لا يُقصد بهذا التمهيد الاستطراد التاريخي لذاته، بل تأصيل القارئ قبل دخوله في تفاصيل الأسانيد والألفاظ، فمعرفة من هو «عبد القيس»، وأين كانت دياره، ولماذا وفد، شرط لفهم سياق الحوار النبوي الوارد في متن الحديث نفسه، وهذا هو المسلك العلمي السليم الذي التزمه الباحث قبل الدخول في صلب مباحثه الثلاثة.

٢٤

انتقال البحث إلى صلب الموضوع

بعد أن استوفى الباحث التعريف اللغوي والنسبي والجغرافي بوفد عبد القيس، ينتقل إلى المبحث الأول الذي هو عماد البحث كله: تتبّع طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما في هذه القصة، وذلك عبر مدار واحد هو التابعي الثقة أبو جمرة الضبعي، الذي رواه عنه عشرة من أصحابه الثقات كما سيأتي تفصيله.

٢

المبحث الأوّل

طرق حديث ابن عبّاس ومتابعاته وشواهده

٢٥

مدار الحديث: أبو جمرة الضبعي

حديث وفد عبد القيس عن ابن عباس رضي الله عنهما مداره على راوٍ واحدٍ ثقة هو أبو جمرة نصر بن عمران بن عصام (وقيل: ابن عاصم) بن واسع الضبعي البصري، وهو تابعي جليل روى عن أنس بن مالك وإياس بن قتادة البكري وجويرية بن قدامة ورياح بن الحارث وزهدم الجرمي وعائذ بن عمرو المزني وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر بن الخطاب وأبيه عمران بن عصام الضبعي وغيرهم.

٢٦

من روى عن أبي جمرة

روى عن أبي جمرة جماعة من الأئمة الثقات، منهم: أبان بن يزيد العطار، وإبراهيم بن طهمان، وأيوب السختياني، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وزائدة بن قدامة، وشعبة بن الحجاج، وعباد بن عباد المهلبي، وعباد بن الحجاج، وابنه علقمة بن أبي جمرة الضبعي، وهذا التعدد في الرواة عنه هو الذي مكّن الباحث من جمع عشر طرق مستقلة لهذا الحديث.

٢٧

توثيق أبي جمرة عند الأئمة

وثّق أبا جمرة جماعة من كبار النقّاد: فقال عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وابن سعد، ونقل أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين وأبي زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على أنه ثقة؛ فهذا الإجماع النقدي على توثيقه يمنح روايته عن ابن عباس مكانة عالية في صناعة الحديث.

٢٨

وفاته وضبط تاريخها

قال مسلم بن الحجاج: كان مقيماً عندنا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس، وله ذِكر في الفتوح، ثم إنه بعد خروجهم من نيسابور أقام بسرخس مريضاً وتوفي بها؛ وقال أبو عيسى الترمذي: مات سنة ثمان وعشرين ومئة، وقد روى له الجماعة أصحاب الكتب الستة، وهذا يدلّ على مكانته العالية عند أئمة الحديث المتقدمين.

٢٩

الالتباس بأبي حمزة

نبّه الباحث إلى إشكال دقيق يقع فيه غير المتخصصين: يشتبه أبو جمرة بأبي حمزة من حيث التشابه في الكنية والاتفاق في الشيخ والتلميذ؛ فقال أبو حاتم ابن حبان: أبو جمرة هذا من ثقات أهل البصرة اسمه نصر بن عمران الضبعي، وأبو حمزة من متقني أهلها اسمه عمران بن أبي عطاء، سمعا جميعاً ابن عباس، وسمع شعبة منهما، وكانا في زمن واحد.

٣٠

عشر طرق مستقلة عن أبي جمرة

جمع الباحث لهذا الحديث في قصة وفد عبد القيس عن أبي جمرة عشرة أنفس رووه عنه: بسطام بن مسلم، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسعيد بن عبدالرحمن، وشعبة بن الحجاج، وعباد بن عباد، وقرة بن خالد السدوسي، ومعمر، وأبو التياح، وأبو هلال؛ وهذا التعدد الكبير يقارب حدّ التواتر عن أبي جمرة نفسه، وهو دليل قوة على ثبوت أصل الحديث.

٣١

الطريق الأولى: بسطام بن مسلم

أخرج حديث بسطام بن مسلم عن أبي جمرة أبو عوانة في «المسند الصحيح» من طريق روح بن عبادة، وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» من طريق معاذ بن معاذ؛ كلاهما عنه به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ولذا استخرجه أبو عوانة على صحيح مسلم، مما يدل على أن هذه الطريق وإن قلّت مصادرها إلا أنها سليمة السند.

٣٢

الطريق الثانية: حماد بن زيد وكثرة مخرّجيه

أما حديث حماد بن زيد فهو أوسع الطرق تخريجاً: أخرجه البخاري وأبو نعيم في «المستخرج على مسلم» من طريق حجاج، وأخرجه البخاري أيضاً من رواية أبي النعمان، ومن رواية مسدد، ومن رواية سليمان بن حرب؛ وهذا التكرار داخل صحيح البخاري نفسه لرواية واحدة يدل على أهمية الحديث عنده واعتماده عليه في أكثر من موضع من كتابه.

٣٣

توسّع تخريج حماد بن زيد

استمرّ تخريج طريق حماد بن زيد عند مسلم وأبي نعيم من طريق خلف بن هشام، وعند أبي داود من رواية محمد بن عبيد، وعند ابن خزيمة من طريق أحمد بن عبدة، وعند أبي نعيم أيضاً من رواية قتيبة بن سعيد وأبي الربيع والقواريري؛ فبلغ عدد من رواه عن حماد بن زيد وحده عشرة رواة، وهذا يجعلها من أوثق طرق الحديث وأكثرها انتشاراً في الدواوين.

٣٤

الطريق الثالثة: حماد بن سلمة

أخرج حديث حماد بن سلمة الطبراني في «المعجم الكبير» من طريق حجاج بن المنهال، وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» من طريق أسد بن موسى، كلاهما عنه بذكر القطعة الأخيرة من الحديث فقط؛ وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات أيضاً، وإن كان مقتصراً على جزء من المتن لا كامله، وهو أمر معتاد في تخريج الأحاديث الطويلة.

٣٥

الطريق الرابعة: سعيد بن عبدالرحمن

أخرج حديث سعيد بن عبدالرحمن الطبراني من طريق أبي معشر البراء، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» من طريق عبيدالله بن موسى؛ وإسناد الطبراني صحيح لغيره لأن أبا معشر يوسف بن يزيد صدوق ربما أخطأ، لكن تابعه الثقة عبيدالله بن موسى، فارتقى الإسناد بهذه المتابعة من درجة الحسن إلى ما يقارب الصحة، وهذا مثال واضح على أثر المتابعات في تقوية الأسانيد.

٣٦

الطريق الخامسة: شعبة بن الحجاج

طريق شعبة بن الحجاج من أوسع طرق الحديث تخريجاً وأشهرها، فقد أخرجها أبو داود الطيالسي، ومن طريقه البيهقي، وأخرجها البخاري وأعادها مرتين، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» عن علي بن الجعد؛ وهذا الانتشار الواسع لطريق شعبة يعكس مكانته الحديثية العالية بوصفه أحد أئمة الجرح والتعديل وأشد الرواة تثبّتاً في نقل الألفاظ.

٣٧

توسّع طريق شعبة عند كبار المحدّثين

استمر تخريج طريق شعبة عند ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبي نعيم في «المستخرج» من طريق محمد بن جعفر (غندر)؛ ثم عند أحمد وعنه أبو داود من رواية يحيى بن سعيد، وعند النسائي في «الكبرى» من رواية خالد بن الحارث، وعند ابن الجارود من رواية عاصم بن علي، وعند الطحاوي من رواية أسد بن موسى، فبلغ عدد رواته عن شعبة تسعة رواة.

٣٨

تسعة رواة عن شعبة وتقويم الإسناد

اجتمع في طريق شعبة تسعة من الرواة عنه: الطيالسي، وعلي بن الجعد، وغندر، ويحيى، وخالد، وعاصم بن علي، وأسد بن موسى، وعمرو بن حكام، وعمرو بن مرزوق؛ وهذا التكاثف غير المسبوق حول شعبة وحده يجعل روايته أصح طرق الحديث وأشهرها، وهو ما يفسّر اعتماد البخاري عليها في أول رواياته للحديث في «صحيحه» كما نصّ الباحث.

٣٩

الطريق السادسة: عبّاد بن عبّاد

أخرج حديث عباد بن عباد أبو عبيد في «الأموال»، والبخاري، والترمذي، والنسائي في «الكبرى»، وأبو نعيم في «المستخرج» من طريق قتيبة بن سعيد، وأخرجه مسلم من حديث يحيى بن يحيى، وأبو داود وأبو عوانة والطبراني وابن منده من طريق مسدد؛ وهذا التنوع في المصادر يشمل معظم أصحاب الكتب الستة، مما يرفع طريق عباد إلى درجة الشهرة الحديثية العالية جداً.

٤٠

مزيد توسّع في طريق عبّاد

أخرج ابن حبان حديث عباد بن عباد من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي، وأخرجه ابن منده في «الإيمان» من طرق أبي الربيع وعبدالله بن عون الخراز وسريج بن يونس ومنصور بن أبي مزاحم وقتيبة، وأخرجه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» من طريق الحسن بن عرفة؛ فبلغت مصادر تخريج هذه الطريق وحدها عشرة مصادر، وهذا يبيّن جهد الباحث الكبير في استقصاء كل موضع ورد فيه الحديث.

٤١

الطريق السابعة: قرّة بن خالد السدوسي

أخرج حديث قرة بن خالد البخاري وابن خزيمة وابن حبان من رواية أبي عامر العقدي، وأخرجه البخاري أيضاً من رواية أبي عاصم، وأخرجه مسلم من رواية معاذ بن معاذ وعلي بن نصر، وأخرجه النسائي في «الكبرى» من رواية أبي عتاب سهل بن حماد؛ وهذه الطريق من أهم الطرق لأنها انفردت بزيادات تفسيرية مهمة ستُذكر لاحقاً عند بيان اختلاف الألفاظ.

٤٢

توسّع طريق قرّة السدوسي وشذوذ رواية

استمر تخريج طريق قرة عند أبي نعيم من حديث علي بن نصر وبشر بن المفضل، وعند البيهقي من طريق أبي يزيد الهروي؛ ونبّه الباحث إلى أن أبا قلابة الرقاشي (أحد رواة هذه السلسلة) تغيّر حفظه في آخر أمره، فحدث بعضهم عنه في تلك الفترة بزيادة شاذة في ذكر الحج لم يتابعه عليها أحد، مما يوجب التمييز بين ما حدّث به قبل الاختلاط وما حدّث به بعده.

٤٣

الطريق الثامنة: معمر بن راشد

أخرج حديث معمر عبدالرزاق الصنعاني في «مصنّفه»، ومن طريقه أبو عوانة في «المسند الصحيح» بذكر الشطر الأخير من الحديث؛ وهذا إسناد صحيح استخرج به أبو عوانة الحديث على صحيح مسلم، وهو من أقصر طرق التخريج عدداً لكنه من أوثقها سنداً، إذ يجمع بين إمامين كبيرين هما معمر بن راشد وعبدالرزاق بن همام.

٤٤

الطريق التاسعة: أبو التيّاح

أخرج حديث أبي التياح البخاري وحده من طريق عبدالوارث عنه، بذكره؛ وهذه الطريق وإن كانت أقلّ الطرق تعدداً في المصادر إلا أن انفراد البخاري بها في «صحيحه» يكفي لإثبات صحتها واعتبارها، إذ إن شرط البخاري في القبول من أعلى الشروط عند المحدثين، وقد اعتمد عليها الباحث في تخريج بعض الألفاظ لاحقاً.

٤٥

الطريق العاشرة: أبو هلال الراسبي

أخرج حديث أبي هلال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» من طريق أسد بن موسى، والطبراني في «المعجم الكبير» من طريق مسلم بن إبراهيم، والبيهقي من طريق سليمان بن حرب؛ وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات إلا أن أبا هلال محمد بن سليم الراسبي حدّث من حفظه، فضعّفه لذلك البخاري وعبدالرحمن بن مهدي والقطان وأبو زرعة ومشاه غيرهم.

٤٦

حكم اسم أبي هلال وتوبعه

قال ابن حجر في أبي هلال: صدوق فيه لِين؛ وهذا حكم وسط بين التوثيق والتضعيف يقتضي قبول حديثه عند المتابعة وردّه عند التفرّد؛ ولمّا كانت روايته هنا في قصة وفد عبد القيس موافقة لبقية الطرق التسع السابقة عليها، فقد توبع فيها متابعة تامة، فارتفعت روايته من درجة الاحتمال إلى درجة القبول التام لموافقتها سائر الطرق الصحيحة.

٤٧

تجميع رأي الباحث في الطرق العشر

بعد استقصاء الطرق العشر عن أبي جمرة، خلص الباحث إلى أن هذا الحديث يكاد يبلغ حدّ التواتر عن أبي جمرة نفسه لكثرة من رواه عنه، وأن أشهر هذه الروايات وأوسعها هي رواية شعبة بن الحجاج التي اعتمدها البخاري في أول موضع أورد فيه الحديث في «صحيحه»، وهي الرواية التي جعلها الباحث لاحقاً أصلاً لتخريج بقية الألفاظ ومقارنتها.

٤٨

متابعات الحديث: مدخل

لم يقتصر الباحث على طرق أبي جمرة عن ابن عباس، بل بحث عن متابعات لهذا الحديث عند ابن عباس من طرق أخرى غير أبي جمرة؛ وقد نقل عن أبي حاتم ابن حبان قوله: روى هذا الخبر قتادة عن سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس؛ فهذه متابعة مستقلة السند تماماً عن مدار أبي جمرة، وهي تقوّي الحديث من جهة أخرى غير جهة أبي جمرة.

٤٩

تخريج متابعة قتادة عن عكرمة وسعيد بن المسيب

أخرج حديث قتادة عن سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس الإمام أحمد من طريق هبَز، ومن وجه آخر من طريق عفّان، وأخرجه ابن أبي عاصم، وأخرجه الطبراني في «الكبير» من طريق علي بن عبدالعزيز، وأخرجه ابن منده وأبو نعيم؛ وثلاثتهم يرويها عن أبان بن يزيد عن قتادة، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، إلا أن أبا هلال (شيخاً آخر مختلفاً) حدّث من حفظه في بعض ألفاظها.

٥٠

زيادات متابعة قتادة وما انفردت به

تميّزت متابعة قتادة عن الطرق العشر بزيادة قوله: فأمرنا بأمر إذا عملنا به دخلنا الجنة، وذِكر تفصيل الأمر بأربع والنهي عن أربع بترتيب مختلف قليلاً، كما تفرّدت بذكر «الحجّ» في بعض رواياتها، وهي زيادة أثارت إشكالاً بحثه الباحث لاحقاً في المبحث الثاني تحت مسألة مستقلة، لأن أكثر الطرق الأخرى لم تذكر الحج ضمن ما أُمروا به.

٥١

حكم الباحث على متابعة قتادة

رغم صحة إسناد متابعة قتادة إلا أن الباحث وصفها بأنها «غريبة»، أي أنها لم تُروَ من هذا الوجه إلا من هذا الطريق تحديداً، فهي وإن كانت صحيحة سنداً فإنها فردة في طريقها لا تشاركها فيها طرق أخرى بنفس السند الكامل عن سعيد وعكرمة معاً؛ وهذا تمييز دقيق بين صحة السند وبين درجة الشهرة والانتشار، وهو من دقائق علم الحديث.

٥٢

الشواهد: تعريف الباحث بها

عرّف الباحث الشاهد بما نقله الحافظ ابن حجر في «النخبة»: إن وُجد متن يُروى من حديث صحابي آخر يشبه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط فهو الشاهد، وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك، وقد استعمل الحاكم هذا المصطلح كثيراً في «مستدركه» عند الاستشهاد.

٥٣

تسعة شواهد من الصحابة

جمع الباحث للحديث تسعة شواهد من صحابة آخرين غير ابن عباس، رووا قصة وفد عبد القيس أو أجزاءً منها بأسانيدهم الخاصة: أنس بن مالك، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وعليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعاً؛ وهذا تكاثر نادر لحديث واحد.

٥٤

شاهد أنس بن مالك وجابر

أخرج حديث أنس بن مالك البخاري ومسلم، وأخرج حديث جابر بن عبدالله مسلم وحده؛ وهذان الشاهدان من أصح ما يُستشهد به لأنهما في الصحيحين أو أحدهما، وهما يوثّقان أصل القصة من زاوية صحابيين مختلفين حضرا المجلس النبوي نفسه أو سمعا بالخبر ونقلاه، مما يرفع الثقة بوقوع الحادثة تاريخياً بمعزل عن سلسلة ابن عباس بالكامل.

٥٥

شاهد علي وعمر بن الخطاب

أخرج حديث علي بن أبي طالب البخاري ومسلم أيضاً، وأما حديث عمر بن الخطاب فأخرجه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة»؛ وكون الخليفتين الراشدين علي وعمر من رواة هذه القصة أو ممن رويت عنهما إشارات إليها يعطي الحادثة بعداً تاريخياً رسمياً، إذ صارت من الوقائع المعروفة المتداولة بين كبار الصحابة لا مجرد خبر فردي محدود التداول.

٥٦

شاهد ابن عمر وأبي سعيد وأبي هريرة

أخرج حديث ابن عمر مسلم في موضعين من صحيحه، وأخرج حديث أبي سعيد الخدري مسلم كذلك، وأخرج حديث أبي هريرة مسلم في موضعين وابن حبان؛ وهذا التكرار داخل صحيح مسلم نفسه لرواية القصة من عدة صحابة يدل على عناية الإمام مسلم الخاصة بهذا الحديث وحرصه على استيعاب أكبر عدد ممكن من طرقه وشواهده في كتابه.

٥٧

شاهد زينب وعائشة

أخرج حديث زينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم البخاري وحده، وأخرج حديث عائشة أم المؤمنين البخاري ومسلم معاً؛ وبهذا يكتمل عقد الشواهد التسعة الذي جمعه الباحث، شاملاً صحابة وصحابيات، ورجالاً من مختلف الأعمار والمواقع، مما يثبت أن خبر وفد عبد القيس كان معروفاً متداولاً بين عامة الصحابة لا مقصوراً على مجلس ابن عباس وحده.

٥٨

دلالة تعدد الشواهد على التواتر

يخلص الباحث إلى أن قصة الوفد وردت على سبيل الإشارة عن جماعة من الصحابة غير ابن عباس بلغت هذا العدد الكبير، وهذا عنده يبلغ حدّ التواتر عند بعض أهل العلم في اصطلاح المحدثين، وإن كان التواتر الاصطلاحي الدقيق يشترط شروطاً إضافية في العدد والاتفاق التام على اللفظ، لكن كثرة الطرق والشواهد كافية لإفادة القطع بوقوع أصل القصة.

٥٩

الشاهد الأقوى: حديث أبي نضرة عن أبي سعيد

من أهم شواهد الحديث ما رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري، وهو شاهد صحيح مخرّج في صحيح مسلم مباشرة، وقد استعان به الباحث في مواضع متعددة من البحث لفهم بعض الألفاظ المشكلة في رواية ابن عباس، لا سيما في مسألة الأربع والخمس، وفي تفصيل معنى النقير والحنتم، لأن روايته جاءت بألفاظ أكثر تفصيلاً وشرحاً في بعض المواضع.

٦٠

ختام المبحث الأول

بهذا يكون الباحث قد استوفى في مبحثه الأول ثلاثة أعمدة: تخريج عشر طرق مسندة عن أبي جمرة إلى ابن عباس، ثم متابعة واحدة غريبة السند عن قتادة إلى ابن عباس من وجه آخر، ثم تسعة شواهد من صحابة آخرين؛ فبلغ مجموع من وقف عليهم الباحث ممن روى القصة أو أشار إليها إحدى عشرة رواية مستقلة عن أحد عشر صحابياً أو أكثر، وهذا حصر علمي دقيق نادر.

٦١

قيمة هذا الحصر للباحثين

يمثّل هذا الحصر الشامل لطرق حديث وفد عبد القيس مرجعاً مهماً لكل باحث يريد دراسة القصة من الناحية التاريخية أو الفقهية أو العقدية، لأنه يوفّر عليه عناء البحث المتفرق في عشرات المصادر، ويضع بين يديه خارطة كاملة لكل طريق ومصدره ودرجة صحته، وهذا بالضبط ما ينقل البحث من مجرد سرد قصصي إلى عمل علمي محكم التوثيق.

٦٢

طرافة تاريخية: أول حديث في صحيح مسلم

من اللطائف التي ساقها الباحث في الحاشية أن حديث وفد عبد القيس هو أول حديث افتتح به الإمام مسلم كتاب الإيمان في «صحيحه»، وهذا يفسّر عناية شراح مسلم الخاصة بهذا الحديث، وحرص الإمام النووي وغيره على استيفاء شرحه استيفاءً كاملاً في مقدمة شرحهم، لأنه أول ما يواجه القارئ عند فتحه صحيح مسلم بعد المقدمة مباشرة.

٦٣

منهج الباحث في ترتيب مصادر كل طريق

التزم الباحث في عرض كل طريق من الطرق العشر بترتيب مصادر تخريجها حسب العلوّ، أي البدء بأقدم من أخرجها وأعلى إسناداً، ثم الانتقال إلى من رواها من طريق فرعية عن مصدر أصلي سابق؛ وهذا الترتيب الزمني الدقيق يسمح للقارئ بتتبع مسار انتقال الرواية عبر الأجيال، ويكشف عن العلاقات السندية الخفية بين كتب الحديث المختلفة.

٦٤

عاصم بن علي وابن الجارود

من الرواة الذين اعتنى الباحث بذكرهم في طريق شعبة: عاصم بن علي بن عاصم الذي روى عنه ابن الجارود حديثه في «المنتقى»، وهو كتاب مختصر جامع للأحاديث الصحيحة على شرط أصحاب السنن، فورود الحديث فيه دليل إضافي على اعتباره عند علماء القرون الأولى من مصنّفي المستخلصات الحديثية الموثوقة، لا الجوامع الموسّعة وحدها.

٦٥

توزّع الطرق على الكتب الستة كاملة

يلاحظ المتتبع لجدول التخريج الذي رسمه الباحث أن حديث وفد عبد القيس ورد في الكتب الستة كلها: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وله ذكر أيضاً عند من هو في حكمها كابن ماجه ضمناً عبر الشواهد، وهذا الانتشار الشامل في أمّهات كتب السنة نادر لحديث واحد، ويجعله من الأحاديث المركزية التي بُني عليها كثير من أبواب الفقه والعقيدة.

٦٦

قيمة كون بعض الشواهد في الصحيحين

يلفت الباحث إلى أن أربعة من الشواهد التسعة (أنس، وعلي، وعائشة، وأبي هريرة في أحد موضعيه) مخرّجة في الصحيحين معاً، وهذا أعلى درجات الصحة عند المحدثين، لأن اتفاق البخاري ومسلم على إخراج حديث يعني إجماعهما على قبول شرطه، وهذا يرفع الثقة بمجموع القصة إلى أعلى درجة ممكنة في ميزان علم الحديث اصطلاحاً.

٦٧

زينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم

نبّه الباحث في تخريج شواهد الحديث إلى أن زينب المذكورة هي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، أي ابنة زوجته من زواج سابق، وقد روت هذا الخبر مما يدل على أنها كانت حاضرة أو سمعت به من داخل بيت النبوة نفسه، وهذا يضيف بعداً أسرياً خاصاً لتوثيق الحادثة، إذ لم تُنقل من مجالس العامة فقط بل من داخل المحيط النبوي المباشر أيضاً.

٦٨

جدول إحصائي لعدد رواة كل طريق

يمكن تلخيص جهد الباحث في هذا المبحث بجدول إحصائي: بسطام (٢ من رواه)، حماد بن زيد (١٠)، حماد بن سلمة (٢)، سعيد بن عبدالرحمن (٢)، شعبة (٩)، عباد بن عباد (١٠)، قرة السدوسي (٦)، معمر (١)، أبو التياح (١)، أبو هلال (٣)؛ فيبلغ إجمالي من رووا الحديث عن أبي جمرة بذواتهم في مصادره المختلفة عدداً يتجاوز الأربعين طريقاً فرعياً، وهذا رقم يوازي كبار المتون المشهورة.

٦٩

أثر هذا الجمع على علم التخريج

يُعدّ هذا المبحث نموذجاً تطبيقياً راقياً لعلم تخريج الحديث كما يُدرَّس في المناهج الأكاديمية المعاصرة، إذ يجمع بين رسم شجرة الأسانيد، وتمييز الطرق الأصلية عن الفرعية، وتقويم كل راوٍ على حدة، وبيان أثر المتابعات في تقوية الأسانيد الضعيفة نسبياً كطريق أبي هلال؛ وهو بذلك يصلح مرجعاً تعليمياً لطلاب علوم الحديث في كيفية جمع طرق حديث واحد من مصادره المتناثرة.

٣

المبحث الثاني

اختلاف ألفاظ الحديث ومعانيه

٧٠

منهج المبحث الثاني

بعد أن استوفى الباحث تخريج الطرق سنداً، ينتقل في هذا المبحث إلى دراسة المتن لفظاً ومعنى، معتمداً الرواية المشهورة عن أبي جمرة في «صحيح البخاري» أصلاً يقارن عليه بقية الروايات، ويسير جملة جملة يذكر فيها أوجه الاتفاق والاختلاف بين الطرق، ويبيّن سبب كل اختلاف، ويشرح غريب الألفاظ، مستعيناً بأقوال شراح الحديث الكبار كالنووي وابن حجر والخطابي والقرطبي وابن بطال.

٧١

سياق الرواية الأصل المعتمدة

الرواية التي اعتمدها الباحث أصلاً هي رواية أبي جمرة قال: كنت أقعد مع ابن عباس يجلسني على سريره، فقال لي: أقم عندي حتى أجعل لك سهماً من مالي؛ فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى؛ وهذا السياق القصصي يضع القارئ مباشرة داخل مجلس ابن عباس نفسه.

٧٢

سبب سؤال أبي جمرة الأول

في هذه الرواية يذكر أبو جمرة أن امرأة سألته عن نبيذ الجرّ فنهاهم عنه، فقال لابن عباس: إن لي جرّة أنتبذ فيها نبيذاً حلواً، فإن أكثرت منه فجالست القوم خشيت أن أفتضح؛ فقال ابن عباس: إن وفد عبد القيس قدم؛ وهذا التفصيل الشخصي الطريف يبيّن أن مناسبة سرد ابن عباس للقصة كاملة كانت جواباً عن سؤال فقهي محدد عن الأشربة، لا سرداً تاريخياً مجرداً.

٧٣

الجملة الأولى: إنا هذا الحي من ربيعة

وقع في رواية حماد بن زيد عند البخاري: إنا هذا الحيّ من ربيعة، بنصب «الحي» على الاختصاص؛ وفي رواية أبي التياح وقتيبة: إنا من هذا الحيّ من ربيعة؛ قال ابن الصلاح: المعنى إنا هذا الحيّ حيٌّ من ربيعة، والحيّ اسم لمنزل القبيلة ثم سُمّيت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض؛ وهذا التدقيق النحوي يوضّح أن الاختلاف بين الروايتين لفظي لا يمسّ المعنى الأصلي.

٧٤

الجملة الثانية: زيادة غندر عن سبب حديث ابن عباس

انفردت رواية غندر (محمد بن جعفر) عن شعبة بزيادة مهمة: كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فقال: إن وفد عبد القيس؛ وهذه الزيادة تبيّن سبب تحديث ابن عباس بهذا الحديث تحديداً، وليست هذه الرواية في رواية الباقين، ويُعدّ غندر من ثقات أصحاب شعبة، وهذه من الزيادات المجوّدة المحفوظة عنده.

٧٥

معنى الترجمة عند أبي جمرة

اختلف الشراح في معنى قول أبي جمرة «أترجم»: فقال بعضهم كان يتكلم بالفارسية فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها؛ وقال ابن بطّال: لأن أبا جمرة كان يتكلم بالفارسية فأراد أن يجعله ترجماناً بينه وبين من لا يعرف بالعربية؛ لكن الشيخ ابن الصلاح رجّح أنه كان يبلّغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس إما لزحام منع من سماعه أو لاختصار منع من فهمه فيفهمهم إياه.

٧٦

قرينة عدم الحاجة للفارسية

استدرك الباحث على من قال إن أبا جمرة كان يترجم بالفارسية بأن هذا الظاهر لم تكن هناك حاجة ظاهرة للفارسية في ذلك الوقت بمكة، ثم إن قول المرأة «سله عن نبيذ الجر» قرينة ظاهرة في أنه كان هو الذي يبلغ كلام ابن عباس ويبلغ عنه، وهي إشارة دقيقة استنبطها الباحث تدلّ على تدقيقه في السياق قبل الترجيح بين الأقوال المتعددة الواردة عند شراح الحديث.

٧٧

الجملة الثالثة: سبب آخر في رواية قرة بن خالد

في رواية قرة عن أبي جمرة سبب آخر: قلت لابن عباس: إن لي جرّة يُنتبذ لي فيها نبيذ حلوٌ فأشربه، إن أكثرت منه فجالست القوم خشيت أن أفتضح؛ قدم وفد عبد القيس؛ وفي رواية أخرى بلفظ: إن جدتي تنبذ لي نبيذاً في جرّ حلواً؛ فجمع الباحث بين هذه الروايات موضحاً أنها تصف موقفاً واحداً بألفاظ متقاربة قد تكون من اختلاف تعبير الراوي لا من واقعتين مختلفتين.

٧٨

رواية أبي بكر بن أبي شيبة الموضحة

في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن شعبة عن أبي جمرة بيان أوضح لهذا الإشكال: أن امرأة أتت ابن عباس وقد كنت حلفت أن لا أسأله عن نبيذ الجر، فقالت لي: سله، فأبيت أن أسأله، فنهاه رجل، فسأله، فقلت: يا أبا عباس إني أنتبذ في جرّ أخضر نبيذاً، فأشربه حلواً يقرقر بطني، فقال: لا تشربه وإن كان أحلى من العسل، فقلت: إن وفد عبد القيس يشربون نبيذاً شديداً.

٧٩

جمع الباحث بين روايات السبب المختلفة

جمع الباحث الروايات المتعددة في سبب سرد ابن عباس القصة بقوله: «فجمعنا بهذا بين الروايات»، مبيّناً أن رواية علي بن الجعد عن شعبة ساقت السياق أكمل وأحسن، فذكرت أن ابن عباس أقعد أبا جمرة معه شهرين، ثم سألته امرأة، وكانت عليه يمين ألا يسألها، فسأل هو عنها، فنُهي، فأخبر ابن عباس بأن وفد عبد القيس يشربون نبيذاً شديداً يكسرونه بالماء إذا أحسّوا شدته.

٨٠

الجملة الرابعة: سبب في صحيح البخاري لعطاء المتعة

سبب قول ابن عباس «أقم عندي حتى أجعل لك سهماً من مالي» في رواية شعبة عند البخاري هو رؤيا رآها أبو جمرة: رأيت في المنام كأن رجلاً يقول لي: حجٌّ مبرور وعمرةٌ متقبّلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال لي: أقم عندي أجعل لك سهماً من مالي؛ وذلك أن ابن عباس كان يرى المتعة فأعجبته تلك الرؤيا الموافقة لرأيه في المسألة الفقهية.

٨١

عطية ابن عباس ومسألة أجرة التعليم

استنبط ابن التين من قول ابن عباس هذا جواز أخذ الأجرة على التعليم، لكن ابن حجر تعقّبه بقوله: وفيه نظر لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج؛ وهذا التعقيب الدقيق يبيّن كيف ينبغي التحفّظ في الاستنباط من وقائع الأعيان التي قد يكون لها سبب خاص لا يصلح تعميمه على كل الحالات المشابهة في أبواب الفقه العامة.

٨٢

الجملة الخامسة: كفار مضر

قولهم: قد حالت بيننا وبينك كفار مضر، ورد بلفظ «كفّار مُضر» في رواية حماد، وبلفظ «هذا الحيّ من كفار مضر» في رواية غندر، وبلفظ «إن بيننا وبينك المشركين من مضر» في رواية قرّة، وبلفظ «وبيننا وبينك مضر» في رواية أبي التياح؛ وقوله «من مضر» إشارة إلى هذه القبائل المضرية: تميم وأسد وغطفان، وهذه الثلاث من مضر بالاتفاق كما بيّن الباحث بالتفصيل النسبي.

٨٣

الجملة السادسة: زيادة علي بن الجعد

في رواية علي بن الجعد عن شعبة: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى؛ وقوله «خزايا» جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي وعار وذلّ وانكسر من أجله، والمعنى أنهم دخلوا في الإسلام طوعاً فلم يصبهم مكروه من حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم.

٨٤

شرح كلمة الندامى

أما «الندامى» فيريد النَّدامة، وكان حقه أن يقول «ولا نادِمين» جمع نادم، إلا أنه أتبع الكلام الأول وهو قوله «خزايا» فأخرجه على وزنه، ومثل هذا في كلامهم موجود، كما قاله الخطابي؛ وهذا النوع من التزاوج اللفظي (الإتباع الصرفي) ظاهرة بلاغية عربية معروفة تُستعمل لتحسين جرس الكلام حتى وإن خالف القياس الصرفي الدقيق للكلمة المفردة.

٨٥

الجملة السابعة: شهر الحرام أو أشهر الحرم

قوله: ولا نخلص إليك إلا في شهر حرام، ورد بلفظ «إلا في كل شهر حرام» في رواية حماد بن زيد بالمناقب، وبلفظ «إلا في شهر الحرام» عند البخاري من طريق ابن الجعد وشعبة ورواية حماد وغيره عند مسلم، بإضافة الشيء إلى جنسه كقولنا «مسجد الجامع»؛ وفي رواية أبي هلال تصريح بلفظ «في رجب» فحُمل اللام هنا على العهد، والمراد شهر رجب تحديداً.

٨٦

تعظيم مضر لشهر رجب

بيّن الباحث أن مضر كانت تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة حيث قال: «رجب مضر»، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه؛ وفي هذا دليل على تقدّم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وعلى صحة نسبة بعدهم الجغرافي عن المدينة.

٨٧

الجملة الثامنة: طلب الأمر الفصل

قولهم: فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، ورد بلفظ «ومرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا» في رواية غندر، وزاد أبو التياح وابن الجعد لفظة «فصل»، بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصَّل أي المبيَّن المكشوف؛ وقال الخطابي: الفصل البيّن، وقيل المحكم، فكل هذه الأقوال متقاربة المعنى.

٨٨

دلالة الحرص على تبليغ العلم

يستنبط من هذه الجملة حرص وفد عبد القيس الشديد على أن يكون ما يتلقّونه من النبي صلى الله عليه وسلم مما يستطيعون نقله إلى قومهم بدقة وأمانة، فهم لم يطلبوا علماً لأنفسهم فقط بل علماً ينفعون به من وراءهم، وهذا يمهّد لفهم قوله صلى الله عليه وسلم لاحقاً: احفظوهنّ وأخبروا بهنّ من وراءكم، فالسؤال والجواب يدوران حول محور واحد هو نقل الدين بأمانة.

٨٩

الجملة التاسعة: أصل الأركان الأربعة

سألوه عن الأشربة فأمرهم عن أربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس؛ فهذه خمسة أمور عدّها صلى الله عليه وسلم تحت مسمّى «أربع» وهو ما أثار إشكالاً فقهياً حلّله الباحث بتفصيل.

٩٠

رواية سعيد بن عبدالرحمن وسبطام في الشهادة

في رواية حماد بن زيد ورواية سعيد بن عبدالرحمن وبسطام بن مسلم: «شهادة أن لا إله إلا الله (وعقد واحدة)»، وفي رواية أخرى: «وعقد بيده»؛ فدلّ هذا على أن الشهادة هي إحدى الأربع فقط، فوقع في هذا الحديث عند البخاري عند حج عاصم بن علي زيادة الواو الشاذة «وشهادة أن لا إله إلا الله» بزيادة الواو، وهي زيادة شاذة لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد.

٩١

إشارة البخاري إلى العلة

لطيفة منهجية نبّه إليها الباحث: قال البخاري عقب روايته لهذا الحديث في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة: وقال سليمان وأبو النعمان، عن حماد: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، دون الواو؛ وهذا دليل على أن البخاري قد يصدّر بالرواية المعلولة ثم يعقّب بما يدل على إعلالها، وهذا من دقائق صنعته التي كشفها الباحث بعناية فائقة في تتبعه لعبارات البخاري نفسه.

٩٢

جواب القاضي عياض عن الإشكال

قال ابن بطال، وتبعه القاضي عياض: أمرهم بالأربع وعدّها ثم زادهم خامسة، يعني «أداء الخمس»؛ كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر فكانوا أهل جهاد وغنائم، فلم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، وكذلك لم يذكر «الحج» لأنه لم يكن نزل فرضه بعد.

٩٣

جواب أبي عمرو بن الصلاح

قال أبو عمرو بن الصلاح نحواً من هذا: أعاده لذكر الأربع ووصفه لها بأنها إيمان ثم فسّرها بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم، فهذا موافق لحديث «بُني الإسلام على خمس»، ولتفسير الإسلام بخمس في حديث جبريل، وقد سبق أن ما يُسمى إسلاماً يُسمى إيماناً، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، فحديث وفد عبد القيس فسّر فيه الإيمان المنفرد بما فُسّر به الإيمان المقرون في حديث جبريل.

٩٤

جواب ابن العربي وتعليل الحج

قال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يُقال إنه عدّ «الصلاة والزكاة» واحدة لأنهما قرينتان في كتاب الله، وتكون الرابعة «أداء الخمس»؛ أو أنه لم يعد «أداء الخمس» لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معيّن في حال دون حال؛ أما سبب عدم ذكر «الحج» فرجّح الباحث أنه لم يكن فرضاً بعد، وهو المعتمد كما رجحه القاضي عياض وابن حجر.

٩٥

مسألة تقدّم الوفادة على فرض الحج

قال ابن حجر مرجحاً: كانت وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر؛ وأما احتجاج الشافعي لكون الحج على التراخي بأن فرضه كان بعد الهجرة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادراً على الحج في سنة ثمان وتسع ولم يحج إلا في سنة عشر، فهو استدلال منهجي دقيق يفيد أن ترك ذكر الحج هنا لم يكن اعتباطاً بل لعدم نزول فرضه أصلاً.

٩٦

زيادة شاذة في ذكر الحج

ورد ذكر «الحج» في رواية أبي زيد الهروي عن قرة بن خالد بلفظ «وتحجّوا البيت الحرام»، لكن الباحث تتبّع هذه الرواية فوجد أن أبا قلابة الرقاشي (وهو راوٍ في السند) تغيّر حفظه في آخر أمره، وأن هذه الزيادة لم يتابعه عليها أحد ممن روى نفس الطريق، ووقف على رواية أخرى عن أبي زيد نفسه ليس فيها ذكر الحج، فأثبت بذلك أن الوهم من أبي قلابة لا من الحديث نفسه.

٩٧

ثبوت ذكر الحج في المتابعة الغريبة

استدرك الباحث بأن ذكر «الحج» ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس (المتابعة الغريبة السابق ذكرها)، فرجّح الحافظ أن تقدير الجواب يجمع بين الجوابين المتقدمين: أن المراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس، فيكون ذكر الحج هنا محفوظاً من طريق مستقل وإن لم يرد في أشهر الطرق.

٩٨

الجملة العاشرة: الأواني الأربعة المنهي عنها

ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وربما قال المُقيّر؛ وقال: احفظوهنّ وأخبروا بهنّ من وراءكم؛ وهذه الأواني الأربعة هي أوعية كانوا ينتبذون فيها فيسرع إليها الإسكار، وقد شرح الباحث كل وعاء منها شرحاً مستقلاً معتمداً على أقوال الصحابة أنفسهم في تفسيرها، لا سيما ما ورد عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة في تفصيل مادة كل وعاء وصناعته.

٩٩

الدباء: القرع اليابس

«الدُّباء» بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد، هو القرع، واحدته دبّاءة، قال النووي: المراد اليابس منه، وحكى القزاز فيه القصر؛ وفصّل حديث أبي بكرة في «مسند الطيالسي» كيفية الانتباذ فيه: كان أهل الطائف يأخذون القرع فيخرطون فيه عناقيد العنب، ثم يدفنونها حتى يهدر ثم يتركونها حتى تموت، أي حتى يشتد الغليان فيها فتصير مسكرة.

١٠٠

الحنتم: الجرار الخضر

«الحنتم» بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق، هي الجرة، كذا فسرها ابن عمر في صحيح مسلم؛ وعن أبي هريرة: الحنتم الجرار الخضر؛ وفي رواية عنه: الحنتم المزادة المجوّبة؛ وقد توسع النووي في بيان الأقوال فيها فذكر ستة أقوال: خضر، جرار كلها، جرار مقيّرات الأجواف تؤتى بها من مصر، حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر، أفواهها في جنوبها من الطائف، وجرار من طين وشعر ودم.

١٠١

النقير: أصل النخلة المنقور

«النقير» بفتح النون وكسر القاف، أصل النخلة يُنقر فيتخذ منه وعاء؛ قال ابن عمر: هي النخلة تُنسح نسحاً وتُنقر نقراً؛ وفصّل حديث أبي سعيد الخدري كيفية الانتباذ فيه: بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القُطيعاء، ثم تصبّون عليه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمّه بالسيف من شدة سكره فيه.

١٠٢

المزفت أو المقيّر: المطلي بالقار

«المُقيّر» بالقاف والياء الآخر، ما طُلي بالقار، ويقال له القير، وهو نبت يُحرق إذا يبس تُطلى به السفن وغيرها كما تُطلى بالزفت، ويقال له «المزفَّت» أيضاً وهو الظروف التي فيها الزفت؛ فحصل عند الباحث أن أرجح الأقوال في هذه الأواني الأربعة أنها كلها من صنع أهل الجزيرة العربية في أماكن متفرقة: الطائف، واليمامة، وأهل المدينة، ومصر، وكلها تشترك في سرعة إسكار ما يُنبذ فيها.

١٠٣

علة النهي عن هذه الأوعية بالذات

معنى النهي عن هذه الأربع بخصوصها أنه ينبذ فيها بما يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويُشرب، فيسرع إليه الإسكار فيها فيصير حراماً نجساً، وتبطل ماليته من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطّلع عليه من لا يأذن فيها بل إذن في أسقية الأدم لأنها لرقّتها لا يخفى فيها المسكر بل إذا صار مسكراً غالباً شقّها أشقّها غالباً.

١٠٤

مسألة النسخ: الجمهور

ذهب الجمهور إلى أن النهي عن هذه الأوعية كان أولاً ثم نُسخ، وذهبت جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها باق منهم: ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق كذا أطلق؛ قال الخطابي: والأول أصح، والمعنى أن العهد بإباحة الخمر كان قريباً فلما اشتهر التحريم أبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط ترك شرب المسكر.

١٠٥

حديث الترخيص الناسخ

استدل من قال بالنسخ بحديث بريدة عند مسلم: نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فانتبذوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً؛ وطريق الجمع أن يُقال: لما وقع النهي عامًّا شكوا إليه الحاجة إليه فرخّص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أنهم لا يجدون ذلك كله، فرخّص لهم في الظروف كلها؛ ومعنى النهي في هذه الأوعية بخصوصها أنه يسرع فيها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر.

١٠٦

قاعدة الحازمي في الجمع

لمن نصر قول مالك أن النهي ورد عن الظروف كلها ثم نسخ منها ظروف الأدم والجرار غير المزفتة، واستمر المنع على ما عداها ثم ورد ما تعقّب ذلك من التصريح في حديث بريدة عند مسلم: نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً؛ فبذلك ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر.

١٠٧

تفسير الصحابي مقدَّم عند الحافظ

قال الحافظ ابن حجر مرجّحاً: وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد، ومعنى النهي عن آنية الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها: أنه يسرع فيها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر؛ وهذا الترجيح المنهجي يُبرز أهمية أقوال الصحابة كمصدر تفسيري مستقل موازٍ لأقوال اللغويين المتأخرين.

١٠٨

الجملة الحادية عشرة: خصلتا الأشج

زاد معاذ بن معاذ في روايته عن قرة عن أبي جمرة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشجّ أشجّ عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم، والأناة؛ وهذه إحدى أهم الزيادات المستقلة الواردة في الحديث، لأنها تنقل مشهداً شخصياً حواريًّا بين النبي صلى الله عليه وسلم وأحد أفراد الوفد بعينه، لا خطاباً عاماً موجهاً للوفد بأكمله كسائر أجزاء الحديث.

١٠٩

من هو الأشجّ عبد القيس

الأشجّ هو المنذر بن عائذ العبدي، لُقّب بالأشجّ لأثر أصابه في وجهه، وهو أحد وجهاء وفد عبد القيس، وقد جاء في روايات أخرى أنه لم يكن مع من استعجل النزول والدخول على النبي صلى الله عليه وسلم من الوفد، بل تمهّل ولبس أحسن ثيابه ودخل بعد الجمل، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب تمهّله، فأخبره، فحينئذ قال له هذه المقالة الثناء الجميلة.

١١٠

خاتمة المبحث الثاني: منهج الشرح المتكامل

بذلك يكون الباحث قد أتمّ شرح إحدى عشرة جملة رئيسية من متن الحديث، جامعاً بين تخريج الألفاظ ومقارنتها، وذكر أقوال أهل اللغة في غريبها، وأقوال الفقهاء في مسائلها الخلافية، وأقوال المحدثين في تعليل ما اختلف من رواياتها؛ وهذا الجمع الثلاثي بين اللغة والفقه والحديث هو ما يمنح هذا المبحث قيمته العلمية المتكاملة ويجعله نموذجاً في «فقه الحديث» لا مجرد شرح لفظي سطحي.

٤

المبحث الثالث

فوائد الحديث الثمانٍ والعشرون

١١١

مدخل المبحث الثالث

يُعدّ هذا المبحث ثمرة المبحثين السابقين، إذ ينتقل فيه الباحث من التخريج والشرح إلى الاستنباط، مستخلصاً ثمانياً وعشرين فائدة من متن الحديث موزّعة بين فوائد تربوية وعقدية وفقهية وحديثية اصطلاحية، بعضها منقول عن كبار الشراح كابن حجر والنووي وابن بطال، وبعضها استنباط شخصي للباحث نفسه من جمع ألفاظ الحديث وتفسير بعضها ببعض، كما صرّح هو بذلك.

١١٢

منهج الباحث في ترتيب الفوائد

رتّب الباحث الفوائد على ترتيب جمل الحديث نفسها، فبدأ بما يتصل بمطلع القصة، ثم انتقل إلى ما يتصل بالحوار النبوي، ثم إلى الأحكام الفقهية المستخرجة من الأمر بالأربع والنهي عن أربع، ثم ختم بفوائد اصطلاحية حديثية عامة تتصل بمنهج تلقي الأخبار وقبولها؛ وهذا الترتيب يجعل القارئ يعيش تدرّج القصة نفسها وهو يقرأ استنباطاتها.

١١٣

١. وفادة الرؤساء إلى الأئمة

الفائدة الأولى: فيه وفادة الرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة، وهذا كان معروفاً في الجاهلية والإسلام؛ فمن أشهر وفادات الجاهلية وفود بعض سادات العرب على كسرى وقيصر، وفي الإسلام كانت الوفود ترد المدينة على الخلفاء الراشدين لأعطياتهم، ثم في العصور الإسلامية المختلفة ومماليكها بقيت هذه سنة إلى يومنا هذا.

١١٤

استمرار سنّة الوفادة عبر العصور

يلحظ الباحث أن هذه الظاهرة لم تنقطع بانقضاء عصر النبوة، بل ظلّت السادات والشعراء والحكماء والإقطاعيات يتعرّضون للنوال من الخلفاء والملوك عبر العصور الإسلامية المختلفة ومملكاتها المختلفة إلى يومنا هذا، وهذا يعطي حديث وفد عبد القيس بُعداً اجتماعياً وسياسياً يتجاوز كونه مجرد رواية دينية إلى كونه شاهداً على نمط حضاري عربي إسلامي مستمر.

١١٥

٢. جواز أخذ الأجرة على التعليم

الفائدة الثانية: قال ابن التين يستنبط من قوله «اجعل لك سهماً من مالي» على جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ نقله ابن حجر وتعقّبه بقوله: وفيه نظر لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج لا بسبب التعليم مباشرة، فهذا الاستنباط محل نظر واحتمالين متجاذبين بين الفقهاء.

١١٦

موازنة الباحث بين القولين

يعرض الباحث الاستنباط والتعقيب معاً دون ترجيح قاطع، تاركاً للقارئ أن يزن بين الاحتمالين: فمن جهة كون العطاء وقع عقب رواية الرؤيا مباشرة يقوّي احتمال أنه من أجلها، ومن جهة أن ابن عباس كان قد استبقاه أصلاً ليجلسه على سريره ويستفيد من ملازمته فربما كان العطاء لملازمته وتعليمه معاً، وهذا التوازن المنهجي في عرض الخلاف من محاسن أسلوب الباحث.

١١٧

٣. استعانة العالم بمن يفهّم عنه

الفائدة الثالثة: فيه استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، كما فعله ابن عباس رضي الله عنهما حين جعل أبا جمرة يبلّغ كلامه لمن خفي عليه من الزحام أو من قصور الفهم؛ وهذا أصل مهم في آداب طلب العلم ونشره، إذ يبيّن أن العالم الكبير قد يحتاج إلى وسيط يوصل علمه إلى أكبر عدد ممكن من الناس دون أن ينتقص ذلك من قدره.

١١٨

٤. أول من استعمل الاستملاء

الفائدة الرابعة: فيه أن أول من استعمل الاستملاء من المحدثين هو ابن عباس، وقد شرع بهذا لهم طريقاً يُتَّبع، على ما بيّناه من المعاني في المعنى، وليس ما ذهب إليه بعض الشراح من أن المراد بالترجمة الترجمة من لغة إلى لغة، وهذا استنباط اصطلاحي مهم في تاريخ علوم الحديث، إذ يجعل ابن عباس رائداً لأسلوب تعليمي ما زال معمولاً به في مجالس الإملاء.

١١٩

قيمة هذه السبقية الاصطلاحية

إسناد هذه الريادة إلى ابن عباس تحديداً له دلالة كبرى، لأنه يربط بين مكانته العلمية الواسعة المعروفة في التفسير والفقه وبين إسهامه في تطوير أدوات نقل العلم ونشره؛ فكونه أول من احتاج إلى مترجم أو مستملي بسبب كثرة من يقصده للعلم يعكس ضخامة مجلسه العلمي وحجم الإقبال عليه، وهذا يفسّر لماذا احتاج إلى أبي جمرة يبلّغ عنه بين يديه.

١٢٠

٥. جواز استفتاء المرأة الرجال

الفائدة الخامسة: فيه قولها «سله عن نبيذ الجر» دليل على جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم، وسماعهم صوتها للحاجة؛ وهذه فائدة فقهية مهمة تتصل بآداب التعامل بين الجنسين في طلب العلم، إذ تُثبت أن الحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي تبيح هذا التواصل المحدود دون أن يُعدّ ذلك خروجاً عن الآداب الشرعية العامة.

١٢١

قيود هذه الرخصة الفقهية

يُفهم من سياق القصة أن هذا الاستفتاء كان في مجلس عام مفتوح، وليس خلوة منفردة، وأن السؤال اقتصر على مسألة علمية محددة هي حكم نبيذ الجر، وهذا يبيّن أن الرخصة مقيّدة بالحاجة العلمية وبالضوابط العامة من غياب الخلوة وعدم الريبة، وهو ما يجعل هذه الفائدة نموذجاً متوازناً بين إتاحة العلم للمرأة وبين حفظ الآداب الشرعية في آن واحد.

١٢٢

٦. مرحباً من عبارات الترحيب القديمة

الفائدة السادسة: قوله «مرحباً» من عبارات الترحيب المستعملة في الجاهلية والإسلام، استعملته العرب في البرّ وحسن اللقاء، ومعناه صادف رحباً وسعة وبِرًّا؛ وهذا التتبع اللغوي التاريخي يبيّن أن الأدب النبوي في استقبال الوافدين لم يكن مبتدَعاً بل كان استمراراً وتهذيباً لتقاليد عربية أصيلة سبقت الإسلام في حسن استقبال الضيوف والوفود.

١٢٣

٧. استحباب قول مرحباً للزوار

الفائدة السابعة: في قوله صلى الله عليه وسلم «مرحباً بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى» استحباب قول مرحباً للزوار؛ وهذا حكم فقهي عملي مباشر مستنبط من فعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، يوصي به كل مضيف يستقبل ضيوفاً أو وافدين، وهو من الآداب الاجتماعية التي ما زالت متوارثة في الثقافة العربية والإسلامية إلى اليوم بألفاظ متعددة قريبة المعنى.

١٢٤

٨. تعظيم العرب للأشهر الحرم

الفائدة الثامنة: في قولهم «إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام» إشارة لتعظيم العرب للأشهر الحرم وامتناعهم عن القتال فيها، وهذا من بقايا ما عليهم من دين الحنيفية وتعظيم شعائر الله؛ فهذا يكشف أن قبيلة عبد القيس - وهي قبيلة مسلمة مؤمنة - كانت أيضاً تحترم هذا العرف الجاهلي المحمود الذي أقرّه الإسلام لاحقاً في الآيات القرآنية.

١٢٥

ربط هذه الفائدة بالقرآن الكريم

يربط الباحث هذه الفائدة بقوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيّم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، مبيّناً أن المراد بها جنس الأشهر الحرم الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب؛ فهذا يجمع بين النص الحديثي والنص القرآني في تأصيل مسألة تعظيم هذه الأشهر.

١٢٦

٩. حث الناس على تبليغ العلم

الفائدة التاسعة: فيه أنه ينبغي أن يحث الناس على تبليغ العلم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «احفظوهنّ وأخبروا بهنّ من وراءكم»؛ وهذه من أعظم فوائد الحديث تأصيلاً لمسؤولية طالب العلم بعد تحصيله، فليس الغرض من التعلم أن يبقى العلم حبيساً عند من حصّله بل أن ينتقل إلى من لم يحضر مجلس التلقي، وهذا هو جوهر منظومة النشر العلمي في التراث الإسلامي كله.

١٢٧

١٠. تعليم الأهل الإيمان والفرائض

الفائدة العاشرة: يلزم المؤمن تعليم أهله الإيمان والفرائض؛ وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم «احفظوهنّ وأخبروا بهنّ من وراءكم»، ولقوله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم ناراً، ولأن الرجل راعٍ على أهله ومسؤول عن رعيته؛ فهذه الفائدة تربط الحديث النبوي بآية قرآنية صريحة وحديث آخر جامع في مسؤولية الراعي، مما يمنحها ثقلاً استدلالياً مركّباً من ثلاثة مصادر.

١٢٨

أولوية خاصة الرجل وأهل بيته

يستدل الباحث لهذه الفائدة أيضاً بأن أولى الناس بالتعليم والدعوة والعناية خاصة الرجل وآل بيته، كما قال تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين، ويسوق حديث ابن عباس نفسه في نزول الآية حين نادى النبي صلى الله عليه وسلم بطون قريش بأسمائها، وحديث أبي هريرة المطوّل في مناداة النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد مناف وبني عبدالمطلب وصفية وفاطمة تحديداً بالاسم.

١٢٩

١١. الأمر بالشهادتين

الفائدة الحادية عشرة: في قوله صلى الله عليه وسلم «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» الأمر بالشهادتين؛ وهذا مشهور في الكتاب والسنة، إذ وردت الشهادة بالتوحيد والإقرار بها والدعوة إليها والإعلام بها في ستة وثلاثين موضعاً في كتاب الله تعالى، والسنة طافحة بذكر الشهادتين والدعوة إليهما وتعليمها، ومنها هذا الحديث المشهور.

١٣٠

١٢. الأمر بالصلاة

الفائدة الثانية عشرة: في قوله صلى الله عليه وسلم «وإقام الصلاة» الأمر بالصلاة، وهذا ركن ثابت في الكتاب والسنة بالاستفاضة، ذكره الباحث ضمن الفوائد لا استطراداً، بل تنبيهاً لكيفية بناء النبي صلى الله عليه وسلم منهج التعليم مع الوافدين الجدد: يبدأ بالتوحيد أساساً، ثم بالصلاة عموداً، وهذا ترتيب تربوي مقصود يلاحظه المتأمل في نسق الحديث كاملاً.

١٣١

١٣. الأمر بأداء الزكاة

الفائدة الثالثة عشرة: في قوله صلى الله عليه وسلم «وإيتاء الزكاة» الأمر بأداء الزكاة، وهي كذلك من الأركان الثابتة في الكتاب والسنة استفاضة تفاضة، وقد ذكرها الباحث ضمن الفوائد من باب التنبيه على الترتيب التعليمي الأولوي، مشيراً إلى أن ذكرها هنا يعكس مكانتها في منظومة الإسلام قبل الحديث حتى عن الجهاد والغنائم رغم كونهم بصدد استعداد لمواجهة كفار مضر.

١٣٢

١٤. الأمر بصيام رمضان

الفائدة الرابعة عشرة: في قوله صلى الله عليه وسلم «وصيام رمضان» الأمر بصيام شهر رمضان، وهو أيضاً ثابت بالكتاب والسنة استفاضة؛ وبإتمام هذه الأركان الأربعة (الشهادتان، الصلاة، الزكاة، الصيام) يكتمل عند الباحث المدخل الأول لفهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الوافدين الجدد أصول دينهم قبل الانتقال إلى ما هو أخصّ من فرائض الجهاد والغنيمة.

١٣٣

١٥. أداء الخمس من الغنائم

الفائدة الخامسة عشرة: في قوله صلى الله عليه وسلم «وأن تعطوا من المغنم الخمس» وجوب الخمس في الغنيمة، قلّت أم كثرت، وإن لم يكن الإمام في السريّة الغازية؛ وهذا حكم فقهي مستقل يتصل بأحكام الجهاد والغنائم، وقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم ليكون رابع أو خامس ما يأمرهم به لأنهم كانوا مقبلين على مواجهة كفار مضر فسيغنمون منهم إن شاء الله.

١٣٤

تفصيل استحقاق الخمس النبوي

كان الخمس للنبي صلى الله عليه وسلم ثم كان هبة منه نفلاً كما في حديث عمرو بن عبسة، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، فلما سلّم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: ولا يحلّ لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردودٌ فيكم؛ فبهذا يتّضح أن الخمس وإن استُحقّ للإمام فإنه غالباً يُردّ منه على المجاهدين نفلاً وإحساناً منه صلى الله عليه وسلم.

١٣٥

أقوال العلماء في مصرف سهم النبي

للعلماء في سهم النبي صلى الله عليه وسلم أقوال: أنه يرد إلى من سُمّي في الآية، وبه قال الطبري؛ وقال آخرون: هو للخليفة بعده؛ وقال آخرون: يجعل في الخيل والعدة في سبيل الله؛ وقال الشافعي: يضع الإمام سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمر ينفع الإسلام وأهله من الكراع والسلاح، أعطى أهل البلاء منفعة، وتنفَّل منه عند الحرب؛ وهذا التنوع الفقهي يبيّن غنى المسألة.

١٣٦

١٦. النهي عن الأواني الأربعة ودلالته الفقهية

الفائدة السادسة عشرة: النهي عن الانتباذ في هذه الأواني الأربع: الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وهي أن تُجعل في الماء حبّات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويُشرب، لأنه يسرع إليها الإسكار فيصير حراماً نجساً، وتبطل ماليتها من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطّلع عليه؛ فهذه الفائدة الفقهية جامعة لعلة النهي الشرعي بأكملها.

١٣٧

سبب حصر الرخصة في أسقية الأدم

لم ينه صلى الله عليه وسلم عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها، لأنها لرقّتها لا يبقى فيها المسكر بل إذا صار مسكراً غالباً أشقّها غالباً، ثم إن هذا النهي كان في ابتداء الإسلام ثم نُسخ؛ وهذا التفصيل الفقهي المفصّل يبيّن أن الشريعة راعت الفروق العملية الدقيقة بين مواد الأواني نفسها في قابليتها لحفظ المسكر أو تسريبه، وهذا من دقائق الحكمة التشريعية.

١٣٨

١٧. علمه صلى الله عليه وسلم بحاجة كل قوم

الفائدة السابعة عشرة: فيه أنه كان صلى الله عليه وسلم يعلم يمكن كل قوم ما بهم الحاجة إليه، وما الخوف عليهم من قبله أشد؛ فكان وفد عبد القيس يُخاف منهم الغلول في الفيء، وكانوا يكثرون الانتباذ في هذه الأوعية، فعرّفهم ما بهم الحاجة إليه، وما يُخشى منهم مواقعته، وترك غير ذلك مما قد كثر وفشا عندهم.

١٣٩

توسيع هذه الفائدة على منهج الدعوة

يوسّع الباحث هذه الفائدة إلى أصل منهجي عام في الدعوة والتعليم: أن الداعية الحاذق لا يلقي على المدعو كل ما يعرفه من الأحكام دفعة واحدة، بل يقدّر حاجته الخاصة وضعفه الخاص، فيركّز على ما يهمّه أكثر ويترك تفاصيل أخرى للوقت المناسب أو للسؤال؛ وهذا مبدأ تربوي حديث يستدل له الباحث بسلوك نبوي متقدم عليه بأربعة عشر قرناً.

١٤٠

١٨. عدم كراهة إطلاق لفظ رمضان

الفائدة الثامنة عشرة: فيه دليل على عدم كراهة قول رمضان من غير تقييد بالشهر؛ قال النووي: وأما قوله صلى الله عليه وسلم وتصوم رمضان ففيه حجة لمذهب الجماهير وهو المختار: الصواب أنه لا كراهة في قول رمضان من غير تقييد بالشهر خلافاً لمن كرهه؛ فهذه فائدة اصطلاحية لغوية فقهية تحسم خلافاً قديماً بين العلماء في جواز إطلاق اسم الشهر دون إضافته لكلمة «شهر».

١٤١

سياق الخلاف في هذه المسألة

يذكر الباحث أن من كره إطلاق لفظ «رمضان» وحده ذهب إلى أنه من أسماء الله تعالى أو أن رمضان قد يُطلق على غير الشهر، فاستُحبّ تقييده بلفظ «شهر»؛ لكن جمهور العلماء ذهبوا إلى عدم الكراهة اعتماداً على ورود لفظ «رمضان» مطلقاً في أحاديث صحيحة كثيرة منها هذا الحديث نفسه، وهذا يبيّن كيف يُستأنس بحديث واحد لحسم مسألة لغوية فقهية أوسع.

١٤٢

١٩. لا عيب في طلب التوضيح من العالم

الفائدة التاسعة عشرة: فيه أنه لا عيب على الطالب للعلوم أو المستفتي للعالم أن يقول للعالم أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة؛ وهذه فائدة أدبية تربوية تشجّع طالب العلم على السؤال دون خجل، وتؤكد أن العالم الحقيقي لا يستنكف من إعادة الشرح وتبسيطه إذا طُلب منه ذلك، تأسياً بمسلك ابن عباس مع أبي مجرة نفسه في هذه القصة.

١٤٣

٢٠. ندب العالم إلى إكرام الفاضل

الفائدة العشرون: فيه ندب العالم إلى إكرام الفاضل؛ هذا من قوله «مرحباً بالوفد» ومن إجازته للوفود بنحو ما كنت أجيزهم، ومن حديث ابن عباس عن وصية النبي صلى الله عليه وسلم عند موته بثلاث، قال: وأوصى عند موته بثلاث: أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم؛ وهذا يربط كرم النبي صلى الله عليه وسلم مع الوفود المتوالية بوصيته الأخيرة قبيل وفاته، فتصير القاعدة سنّة مؤكدة إلى آخر لحظات حياته.

١٤٤

٢١. جواز الثناء على الإنسان في وجهه

الفائدة الحادية والعشرون: فيه أن الثناء على الإنسان في وجهه لا يكره، إذا لم يُخف فيه بإعجاب ونحوه؛ هذا مأخوذ من قوله للأشج عبد القيس «إن فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم، والأناة»؛ فقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الأشج مباشرة في حضرته، دون أن يُعدّ هذا مخالفاً لعموم النهي عن المدح المفرط، لأن المقصود هنا تربية الأخلاق الحسنة لا التملّق.

١٤٥

٢٢. الإيمان والإسلام بمعنى واحد

الفائدة الثانية والعشرون: فيه دليل على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسّر الإيمان هنا بأنه بُني على خمس، وهي المسائل المذكورة هنا سوى الحج، ولتفسير الإسلام بخمس في حديث جبريل، وقد سبق أن ما يسمى إسلاماً يسمى إيماناً، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ وهذه من أهم الفوائد العقدية في الحديث ذات صلة وثيقة بمسائل الإيمان في العقيدة الإسلامية.

١٤٦

منهج ابن تيمية في المسألة

يستحسن هنا استحضار ما قرره ابن تيمية من أن الإيمان جمرد ما في القلب، أو جرمد قول اللسان، أو تصديق القلب وقول اللسان، فيما ذهب أهل الحديث وأصحابنا وغيرهم إلى أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان والإسلام مع اختلافهم في دخولها في الإسلام؛ فلهذا قال كثير من العلماء: إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران، فإن أُفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وإن قُرن بينهما كانا شيئين حينئذ.

١٤٧

الجمع بين حديثي جبريل والوفد

بهذا يُجمع بين سؤال جبريل عليه السلام عن السلام والإيمان ففرّق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسّر فيه الإيمان المنفرد بما فُسّر به الإيمان المقرون في حديث جبريل؛ فالقاعدة أن الإفراد يقتضي الشمول، والاقتران يقتضي التمييز، وهذه قاعدة أصولية دقيقة يستخدمها العلماء في الجمع بين نصوص كثيرة تبدو متعارضة في هذا الباب العقدي المهم.

١٤٨

٢٣. الإيمان واقع على الأعمال

الفائدة الثالثة والعشرون: أن الإيمان واقع على الأعمال، ألا ترى أنه أوقع اسم الإيمان على الإقرار بشهادة التوحيد، وعلى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأداء الخمس، على خلاف قول المرجئة؛ وهذه فائدة عقدية جوهرية تردّ على المرجئة الذين يقولون بأن الإيمان مجرد تصديق القلب أو قول اللسان دون اشتراط العمل، مستدلاً بنص الحديث نفسه الذي عدّ العمل من مسمى الإيمان.

١٤٩

أصناف المرجئة عند ابن تيمية

المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان ولا تدخل في الإسلام، وهم على ثلاثة أصناف كما ذكر ابن تيمية: صنف قال الإيمان مجرد ما في القلب، وصنف قال الإيمان هو مجرد قول اللسان، وصنف قال الإيمان تصديق القلب وقول اللسان؛ أما أصحابنا من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها في الإسلام، وهو أقرب الأقوال إلى النصوص الشرعية.

١٥٠

٢٤. الأعمال الصالحة تدخل صاحبها الجنة

الفائدة الرابعة والعشرون: فيه أن الأعمال الصالحة إذا قُبلت تدخل صاحبها الجنة؛ وهذا مفهوم ضمني من قولهم «فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة»، فقد وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ضمناً حين لم يُكلّفهم بأكثر مما ذكر، وبهذا تمّ إسلامهم وإيمانهم وأجرهم على الله كما وعد.

١٥١

امتداد هذه الفائدة لعموم المؤمنين

لم يكن هذا الوعد خاصاً بوفد عبد القيس، بل عام لكل من عمل الأركان المذكورة على وجهها، وهذا ما يجعل الحديث نموذجاً شاملاً لمنهج الإسلام في التبشير بالجنة لكل من التزم بأصوله الأساسية، دون أن يشترط زيادة عليها من فروض لم تكن قد نزلت بعد، وهذا يتصل بقاعدة أصولية معروفة: لا تكليف إلا بما بلغ العلم به وجوبه.

١٥٢

٢٥. البدء بالسؤال عن الأهم

الفائدة الخامسة والعشرون: فيه أنه يبدأ بالسؤال عن الأهم؛ وذلك من قوله «وسألوه عن الأشربة» فأمرهم عن أربع، إذ بدأ صلى الله عليه وسلم بالأركان الإيمانية الكبرى قبل الإجابة على سؤالهم الفرعي عن الأشربة، وهذا مبدأ تعليمي وقائدي مهم يُقتدى به في الدعوة والتعليم بأن يُبدأ بأصول الدين قبل الفروع والتفصيلات الجزئية.

١٥٣

٢٦. العذر عند العجز عن توفية الحق

الفائدة السادسة والعشرون: فيه دليل على العذر عند العجز عن توفية الحق واجباً أو مندوباً؛ وقاله ابن أبي جمرة في هذا؛ ومعناه أن وفد عبد القيس لبعدهم عن المدينة ولحاجتهم الملحّة لم يُطالَبوا بأكثر مما يستطيعون معرفته وتبليغه، فالشريعة تراعي ظروف المكلّفين وقدراتهم الواقعية، ولا تحمّلهم فوق طاقتهم في التلقّي والتبليغ.

١٥٤

٢٧. الاعتماد على أخبار الآحاد

الفائدة السابعة والعشرون: فيه الاعتماد على أخبار الآحاد؛ لقوله «وأخبروا بهنّ من وراءكم»؛ وقوله «من» بفتح الميم وهي موصولة يشمل من جاؤوا من عندهم باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معاً حقيقة ومجازاً؛ واستنبط منه البخاري الاعتماد على أخبار الآحاد، وهو نوع مهم من أنواع علوم الحديث.

١٥٥

توسيع هذا الاستنباط البخاري

استنبط البخاري هذا الأصل الحديثي في مواضع متعددة من صحيحه لهذا الحديث تحديداً، لأنه يجمع بين إخبار فرد واحد بحكم شرعي وبين اعتماد المخاطبين عليه دون اشتراط تعدد المخبرين أو تواترهم؛ وهذا الأصل من أعظم أصول أهل السنة والجماعة في الاحتجاج بالسنة، ويردّ به على من يشترط لقبول الحديث النبوي شرط التواتر فقط دون الآحاد.

١٥٦

٢٨. النهي عن الأوعية نوع من أسباب الحديث

الفائدة الثامنة والعشرون: نهيه عن هذه الأوعية يدخل في بيان أسباب الحديث، وهو نوع مهم من أنواعه، صنّف فيه السيوطي والحسيني؛ وقد ألّف السيوطي كتاب «الإكليل في استنباط التنزيل»، وألّف الحسيني كتاب «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف»، فسبب النهي هو سؤال وفد عبد القيس عن هذه الأشربة تحديداً.

١٥٧

قيمة معرفة أسباب ورود الحديث

يختم الباحث فوائده بهذه الملاحظة المنهجية العميقة: معرفة سبب ورود الحديث يدخل في فهم الحديث الدقيق ويحدّد النطاق الذي جاء الحكم من أجله، فسؤال وفد عبد القيس عن الأشربة تحديداً هو الذي ولّد كل هذا التفصيل الفقهي حول الأواني الأربعة، ولولا معرفة هذا السبب لظنّ بعضهم أن هذا الحكم عام مبتدأ لا مرتبط بسياق سؤال محدد.

١٥٨

خاتمة المبحث الثالث

بذلك يتم للباحث في مبحثه الثالث حصاد ثمانٍ وعشرين فائدة تتوزع بين التربوي والعقدي والفقهي والحديثي، مقدّماً نموذجاً متكاملاً لكيفية استخراج الفقه والعقيدة والأدب من متن حديث واحد جمع فيه ألفاظه ومعانيه سابقاً؛ وهذا المبحث بمجموعه يمثّل ذروة الاستثمار العلمي لهذا الحديث النبوي الجليل الذي جاء في قصة وفد عبد القيس.

٥

الخاتمة

نتائج البحث الثمانية

١٥٩

ختام رحلة البحث

بعد رحلة طويلة في تتبّع طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ودراسة اختلاف ألفاظه، واستخراج فوائده، يصل الباحث إلى خاتمة موجزة تلخّص أهم ما توصّل إليه في ثمانٍ نتائج مرقّمة، جاءت بعد حمد الله وتوفيقه، لتكون بمثابة الزبدة العلمية التي يخرج بها القارئ من هذا العمل المحكم الطويل، وقد ختمها بقوله: والله أعلم، تأدباً بأدب أهل العلم في نسبة الكمال لله وحده.

١٦٠

١. أشهر الروايات: رواية أبي جمرة

النتيجة الأولى: أن أشهر روايات الحديث عن ابن عباس هي رواية أبي جمرة نصر بن عمران بن عصام الضبعي، أحد الثقات؛ وهذه النتيجة تتويج لجهد كبير بذله الباحث في تتبّع عشر طرق فرعية عن هذا الراوي وحده، وتأكيد على أن هذا التابعي الجليل هو حجر الزاوية في نقل هذه القصة النبوية العظيمة عبر الأجيال إلى يومنا هذا.

١٦١

٢. اتساع تخريج الحديث في الدواوين

النتيجة الثانية: أن روايات هذا الحديث مخرَّجة في دواوين الإسلام المختلفة من صحاح وسنن ومسانيد وغيرها؛ فقد وقف الباحث على تخريجه في الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها من المسانيد والمعاجم والمستخرجات، مما يمنح هذا الحديث مكانة عالية بين أحاديث الوفود، ويجعله من الأحاديث المتفق على قبولها بين علماء الأمة المتقدمين والمتأخرين على السواء.

١٦٢

٣. زيادات تفسيرية مهمة رفعت الإشكالات

النتيجة الثالثة: اشتمال روايات الحديث على زيادات تفسيرية مهمة أفادت رفع بعض الإشكالات الواردة؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك زيادة رواية قرة بن خالد التي بيّنت سبب سؤال أبي جمرة الأول، وزيادة معاذ بن معاذ التي كشفت قصة الأشج عبد القيس، وزيادة غندر التي وضحت سياق الترجمة بين ابن عباس والناس؛ فبدون هذه الزيادات لظلّت بعض ألفاظ المتن مبهمة.

١٦٣

٤. اختلاف بعض الروايات وعلته

النتيجة الرابعة: أن بعض الروايات فيها اختلاف وعلل مرده لخطأ الرواة؛ وأبرز مثال على هذا زيادة ذكر «الحج» في رواية أبي زيد الهروي عن قرة بن خالد التي تبيّن للباحث أنها من وهم أبي قلابة الرقاشي الذي تغيّر حفظه في آخر عمره، وكذلك زيادة الواو الشاذة في «وشهادة أن لا إله إلا الله» عند حجاج بن منهال التي لم يتابعه عليها أحد.

١٦٤

٥. غنى الحديث بالفوائد المتنوعة

النتيجة الخامسة: اشتمال الحديث على جملة من الفوائد التربوية، والعقدية، والفقهية، والحديثية؛ وقد بلغ عدد ما استخرجه الباحث من هذه الفوائد ثمانياً وعشرين فائدة، تنوّعت بين قواعد في الدعوة والتعليم، ومسائل عقدية في حقيقة الإيمان والإسلام، وأحكام فقهية في الزكاة والخمس والأشربة، وأصول حديثية في قبول أخبار الآحاد وأسباب ورود الحديث.

١٦٥

٦. متابعة تامة غريبة عن قتادة

النتيجة السادسة: ورود متابعة تامة من رواية قتادة عن عكرمة وسعيد بن المسيب عن ابن عباس، ولكنها غريبة؛ فهذه المتابعة وإن كانت صحيحة الإسناد إلا أنها منفردة الطريق عمن رواها بهذا الشكل الكامل، وقد أفادت الباحث في إثبات ذكر «الحج» ضمن ما أُمر به الوفد من طريق مستقل يقوّي ما جاء من إشارات جزئية إليه في طرق أخرى شاذة.

١٦٦

٧. أصح الشواهد: رواية أبي نضرة

النتيجة السابعة: وردت مجموعة شواهد له أصحها رواية أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري؛ وهذا الشاهد المخرّج في صحيح مسلم مباشرة كان له دور كبير في تفصيل معاني الأواني الأربعة المنهي عنها، وفي توضيح مسألة الأربع والخمس، مما يجعله أهم الشواهد التسعة التي جمعها الباحث من حيث الفائدة العلمية المباشرة في فهم متن حديث ابن عباس.

١٦٧

٨. بلوغ القصة حدّ التواتر عند البعض

النتيجة الثامنة والأخيرة: أن قصة الوفد وردت على سبيل الإشارة عن جماعة من الصحابة بلغت به حدّ التواتر عند البعض؛ وهذا الحكم الختامي يعكس ثقة الباحث الكاملة في ثبوت أصل هذه القصة تاريخياً وحديثياً، فمهما اختلفت الألفاظ الجزئية بين الطرق فإن جوهر الحادثة - قدوم وفد عبد القيس وحوارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم - أمر مقطوع بوقوعه لا مجال للشك فيه.

١٦٨

قيمة الخاتمة المنهجية

تُظهر هذه النتائج الثماني براعة الباحث في تلخيص عمل بحثي طويل ومعقّد في عبارات موجزة دقيقة، كل نتيجة منها تختصر جهداً كاملاً بُذل في أحد المباحث الثلاثة السابقة؛ فالنتيجتان الأولى والثانية تلخّصان المبحث الأول، والنتيجتان الثالثة والرابعة تلخّصان المبحث الثاني، والنتيجة الخامسة تلخّص المبحث الثالث، والنتائج الأخيرة الثلاث تعود لتؤكد على قوة الإسناد الإجمالية للحديث.

١٦٩

الدعاء الختامي وأدب البحث العلمي

يختم الباحث بحثه بالصلاة والسلام على معلّمنا الأول وقدوتنا الأولى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مقتدياً بما افتتح به رئيس تحرير المجلة كلمته في مقدمة العدد من التذكير بأخلاقيات الباحث ومسؤوليته أمام الله عز وجل قبل كل أحد آخر؛ وهذا الختام المتّسق مع افتتاحية المجلة يعكس انسجام روح البحث بأكمله مع القيم العلمية والأخلاقية التي تحرص عليها المجلة العلمية المحكّمة التي نُشر فيها.

٦

إضاءة

صلة وفد عبد القيس بتاريخ جزيرة أوال

١٧٠

لماذا يهمّ هذا الحديث تاريخ البحرين

وإن كان هذا البحث في ظاهره بحثاً حديثياً محضاً يُعنى بالأسانيد والألفاظ، إلا أن موضوعه - وفد عبد القيس - يتقاطع تقاطعاً مباشراً مع تاريخ جزيرة أوال؛ فقد بيّن التمهيد أن هذه القبيلة استوطنت البحرين وما حولها من هجر بعد نزوحها من تهامة، فصار حديثها النبوي وثيقة دينية وتاريخية معاً توثّق للحظة دخول أهل هذه الأرض في الإسلام طواعية دون قتال.

١٧١

عبد القيس وهجر وجواثى

استقرت بطون عبد القيس في هجر - قاعدة إقليم البحرين القديم - وفي قرية جواثى التي شهدت أول مسجد جمعة أقيم خارج المدينة المنورة وقلبها اليوم في البحرين وفق الرواية المشهورة عند أهل السير، وهذا يجعل من دراسة وفدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم مدخلاً تاريخياً لفهم كيف انتقل الإسلام من كونه ديناً بمكة والمدينة إلى دين راسخ في شرق الجزيرة العربية قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات قليلة.

١٧٢

ثبات عبد القيس زمن الردة

من أعظم ما يُذكر لعبد القيس تاريخياً أنها من القبائل القليلة التي ثبتت على الإسلام في البحرين إبّان حروب الردة، بخلاف كثير من قبائل الجزيرة التي ارتدّت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تحصّنوا في جواثى وقاوموا المرتدين حتى نصرهم الله؛ وهذا الثبات يفسّر لماذا وُصفوا في هذا الحديث بأنهم وفدوا «غير خزايا ولا ندامى»، فكأن النبوءة النبوية في وصفهم تحققت عملياً بعد وفاته.

١٧٣

الاتصال بملف قبيلة عبد القيس على المنصة

يتّصل هذا البحث الحديثي اتصالاً مباشراً بملف «قبيلة عبد القيس» الموجود بالفعل على منصة سُطور من أوال، والذي فصّل نسب القبيلة وهجرتها من تهامة إلى البحرين، ومواطنها في هجر وجواثى وأوال، وموقفها من الإسلام والردة؛ فإذا كان ذلك الملف قد عُني بالتاريخ الاجتماعي والنسبي للقبيلة، فهذا الملف الجديد يكمّله من الجانب الحديثي المتخصص في دراسة الرواية النبوية ذاتها التي وثّقت لحظة إسلامهم.

١٧٤

تكامل الوثيقتين: التاريخ والحديث

يمثّل الجمع بين الملفين - ملف تاريخ القبيلة وملف تحقيق حديثها - نموذجاً لما تسعى إليه منصة سُطور من أوال في رؤيتها للتطوير العالمي: مزج متكامل بين الأبحاث الأكاديمية والوثائق الأولية، فالقارئ يجد في أحد الملفين السياق الاجتماعي والجغرافي، وفي الآخر التحقيق العلمي الدقيق لأسانيد الرواية التي تصف اللحظة التاريخية نفسها، فيكتمل عنده المشهد من الزاويتين معاً.

١٧٥

الوفد وقاضي البحرين العبدلي الرفاعي

يجمع البحث - من غير قصد مباشر منه - بين حلقتين من تاريخ البحرين الإسلامي المبكر والمتأخر: فحديث وفد عبد القيس يؤرّخ للحظة التأسيس الأولى، بينما يتذكر زائر المنصة من ملفات أخرى شخصيات لاحقة كالسيد علي أبو الحسن العبدلي الرفاعي قاضي إقليم البحرين المتوفى سنة ٨٤٨هـ، فتتشكل صورة متصلة الحلقات لعلماء وقضاة وأعلام هذه الجزيرة عبر ثمانية قرون من الإسلام.

١٧٦

صلة بمسجد الخميس وجواثى تاريخياً

كما وثّقت المنصة تاريخ مسجد الخميس في عهد عمر بن عبدالعزيز، فإن هذا الحديث يوثّق لما هو أقدم من ذلك: تأسيس العلاقة الدينية بين أهل البحرين والدولة الإسلامية الأولى في عهد النبوة مباشرة، وبذلك يشكّل حديث وفد عبد القيس نقطة الانطلاق الزمنية الأقدم في سلسلة معالم التدين الإسلامي في هذه الجزيرة التي توثّقها المنصة معلماً بعد معلم.

١٧٧

قيمة دراسة الإسناد لمؤرخي البحرين

يستفيد الباحث في تاريخ البحرين من هذا العمل الحديثي المحكّم فائدة مضاعفة: فهو لا يكتفي بمعرفة أن الوفد قدم وأسلم، بل يعرف بالتفصيل الدقيق من روى هذا الخبر، ومن أي طريق، وبأي درجة من الصحة، فيستطيع بناء سرديته التاريخية على أساس متين لا على مجرد نقل قصصي عام قد يخلط بين الروايات الصحيحة والضعيفة دون تمييز علمي دقيق بينها.

١٧٨

الأشج عبد القيس رمزاً للحلم والأناة

تبقى شخصية الأشج عبد القيس (المنذر بن عائذ) من أبرز الشخصيات التي يمكن أن تُفرد لها بطاقة تعريفية على المنصة أسوة بشخصيات أخرى، فهو الصحابي الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بخصلتي الحلم والأناة في حضرته، وقصة تمهّله ولبسه أحسن ثيابه قبل الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم قصة تربوية بليغة تستحق أن تُروى ضمن سير أعلام هذه القبيلة البحرينية العريقة.

١٧٩

النخل والانتباذ: تفاصيل معيشية بحرينية

من اللطائف التي يستفيد منها الباحث في التراث المادي للبحرين ما ورد في تفصيل صناعة أواني الانتباذ الأربعة: فذِكر «النقير» المتخذ من جذوع النخل يعكس بيئة زراعية نخيلية كانت سائدة في هجر والبحرين قديماً، وهذا التفصيل الصغير في الحديث يفتح نافذة على الحياة اليومية والاقتصاد الزراعي لسكان هذه المنطقة في القرن الأول الهجري قبل أن يوثّقه المؤرخون المتأخرون بتفصيل مباشر.

١٨٠

الدولة العيونية وسياق أبعد زمنياً

يمكن للقارئ أن يربط بين هذا الحديث المبكر وبين ملفات المنصة اللاحقة عن الدولة العيونية في البحرين التي حكمت بعد قرون من هذا الوفد، فيلحظ كيف بقي هذا الإقليم - من عهد النبوة إلى عهد العيونيين وما بعدهم - ساحة متصلة للتدين والعلم والقضاء والحكم، وهذا الاتصال التاريخي الطويل هو بالضبط ما تسعى منصة سُطور من أوال إلى توثيقه بخط زمني متكامل لا ينقطع.

١٨١

الحديث نموذجاً لمنهج الأرشفة الرقمية

يصلح هذا البحث الحديثي - بما فيه من تخريج دقيق وجداول أسانيد وتصنيف فوائد - نموذجاً مثالياً لتحويله إلى محتوى رقمي بنيوي على طريقة «اسأل الأرشيف الموثّق»، إذ يمكن تقطيعه إلى كتل بيانات مهيكلة: راوٍ، طريق، مصدر تخريج، درجة صحة، فائدة مستخرجة، بحيث يصبح قابلاً للبحث الدلالي الفوري لأي زائر يسأل عن حكم فقهي أو تفصيل تاريخي ورد في هذا الحديث تحديداً.

١٨٢

توثيق علمي محكّم يرفع من مصداقية المنصة

نشر هذا الملخّص لبحث محكّم صادر عن مجلة أكاديمية رسمية تابعة لجامعة الملك خالد يرفع من المصداقية العلمية العامة لمنصة سُطور من أوال، وينسجم مع رؤيتها المعلنة في أن تصبح مرجعاً أكاديمياً يجمع بين تجميع الأبحاث المحكّمة من الجامعات والأرشيفات وبين المستودع الرقمي المفتوح للباحثين، وهو بالضبط ما يمثّله وجود ملخّص دقيق ومحترم الأمانة العلمية لهذا البحث تحديداً.

١٨٣

رابط مقترح مع مركز البحث والذكاء الاصطناعي

يمكن لهذا الملخّص أن يُغذّي قاعدة بيانات محرّك «اسأل الأرشيف الموثّق» بفئة موضوعية جديدة تخصّ علوم الحديث وتخريجه، فتضاف كلمات مفتاحية مثل: أبو جمرة، الأشج، عبد القيس، الحنتم، النقير، الأربع والخمس، بحيث يستطيع أي باحث يسأل عن أحد هذه المصطلحات أن يصل مباشرة إلى الموضع المناسب من هذا الملخّص، متكاملاً مع بقية فئات المنصة الاثنتي عشرة الموجودة أصلاً.

١٨٤

الوفد شاهد على مركزية أوال في الخليج

يذكّرنا حديث وفد عبد القيس بأن هذه الجزيرة - أوال قديماً والبحرين اليوم - لم تكن يوماً هامشية في خارطة الأحداث الكبرى، بل كانت محطة مركزية في التاريخ الإسلامي المبكر تفد منها القبائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، تماماً كما كانت لاحقاً محطة تجارية ودينية وعلمية مركزية في تاريخ الخليج العربي كله، وهذا هو جوهر الرسالة التي تسعى منصة سُطور من أوال لإيصالها لكل زائر.

١٨٥

دعوة للباحثين لمواصلة هذا الخط

يفتح هذا الملخّص الباب أمام باحثي المنصة لمواصلة تتبّع أحاديث أخرى ذات صلة بتاريخ البحرين وأهلها بنفس المنهجية الدقيقة: جمع الطرق، ومقارنة الألفاظ، واستخراج الفوائد؛ فكل حديث نبوي صحيح يتصل بوفد أو قبيلة أو منطقة من هذه الجزيرة هو لبنة إضافية في بناء الصورة الكاملة لتاريخها الديني والاجتماعي منذ فجر الإسلام وحتى اليوم.

٧

معجم مصغّر

مصطلحات علم الحديث الواردة في البحث

١٨٦

الرواية والدراية

علم الرواية هو ما يُعلم به أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقاريره وضبطها وروايتها وتحرير ألفاظها، وعلم الدراية هو ما يُعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات؛ وهذان العلمان هما عنوان هذا البحث نفسه وركيزتاه المنهجيتان، إذ لا يكتمل فهم حديث نبوي إلا بالجمع بينهما معاً لا الاقتصار على أحدهما.

١٨٧

السند والمتن

السند هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمتن هو نصّ الحديث نفسه أي ألفاظه ومعانيه؛ وقد قسّم الباحث بحثه على هذا الأساس تماماً: المبحث الأول لدراسة السند (الطرق والمتابعات والشواهد)، والمبحثان الثاني والثالث لدراسة المتن (اختلاف الألفاظ ثم الفوائد).

١٨٨

مدار الحديث

مدار الحديث هو الراوي الذي تجتمع عنده أكثر طرق الحديث وتتفرّع منه، وهنا هو أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي الذي روى الحديث عن ابن عباس، ثم تفرّعت عنه عشر طرق مستقلة إلى عشرة من الرواة الثقات؛ ومعرفة مدار الحديث خطوة أولى ضرورية في أي عملية تخريج علمي، لأنها تحدّد نقطة الانطلاق التي يُبنى عليها رسم شجرة الأسانيد بأكملها.

١٨٩

الطريق

الطريق في اصطلاح المحدثين هي كل سلسلة إسناد مستقلة تصل إلى الراوي الأصلي (هنا أبو جمرة) من خلال أحد تلاميذه؛ وقد رتّب الباحث عشر طرق مستقلة عن أبي جمرة على حروف المعجم كما التزم بذلك في منهجيته، وكل طريق منها قد تتفرّع بدورها إلى عدة مصادر تخريج فرعية حسب من روى عن ذلك التلميذ نفسه لاحقاً.

١٩٠

المتابعة والمتابعة التامة

المتابعة أن يشارك راوٍ آخر في رواية الحديث عن نفس الشيخ أو عن شيخ آخر بنفس السند العام الموصل إلى نفس الصحابي؛ والمتابعة التامة أن يكون الاشتراك من أول السند إلى آخره؛ وفي هذا البحث متابعة تامة وصفها الباحث بأنها «غريبة» رغم صحة سندها، وهي رواية قتادة عن عكرمة وسعيد بن المسيب عن ابن عباس، الموازية لرواية أبي جمرة.

١٩١

الشاهد

الشاهد هو رواية لنفس الحادثة أو المعنى تُروى عن صحابي آخر غير الصحابي الأصلي (هنا ابن عباس)؛ وقد جمع الباحث تسعة شواهد من صحابة آخرين، أصحّها رواية أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري المخرّجة في صحيح مسلم مباشرة؛ ويكمن الفرق الدقيق بين الشاهد والمتابعة في أن الأول يأتي من صحابي مختلف بينما الثانية تأتي من نفس الصحابي بسند آخر.

١٩٢

التفرّد والغرابة

التفرّد هو أن ينفرد راوٍ واحد برواية حديث أو زيادة لا يشاركه فيها غيره، والغرابة قريبة منه اصطلاحاً؛ وقد وصف الباحث متابعة قتادة بأنها «غريبة» لأنها وإن صحّ سندها فإنها لم تُروَ من هذا الوجه الكامل إلا من طريق واحد؛ وهذا يبيّن أن الغرابة لا تعني بالضرورة الضعف، بل قد تجتمع مع الصحة إذا كان الراوي المتفرّد ثقة ضابطاً.

١٩٣

الشذوذ

الشذوذ هو أن يخالف الراوي الثقة رواية الناس، لا أن يروي ما لا يرويه غيره؛ وقد وصف الباحث زيادة الواو في «وشهادة أن لا إله إلا الله» عند حجاج بن منهال بأنها شاذة لأنها خالفت ما رواه بقية أصحاب حماد بن زيد عنه؛ وهذا تمييز دقيق بين التفرّد المقبول والشذوذ المردود، وهو من أدقّ مسائل علم مصطلح الحديث التي طبّقها الباحث عملياً في هذا البحث.

١٩٤

العلّة الحديثية

العلّة سبب خفي قادح في صحة الحديث مع أن ظاهر إسناده السلامة؛ ومن أمثلتها في هذا البحث زيادة ذكر «الحج» في رواية أبي زيد الهروي عن قرة، التي بيّن الباحث أن علتها تغيّر حفظ أبي قلابة الرقاشي في آخر عمره، فحدّث بها في تلك المرحلة دون متابعة من غيره؛ وكشف هذه العلة يتطلب مقارنة الطريق نفسها في مصادر متعددة، وهو ما فعله الباحث بدقة.

١٩٥

درجة الحديث: صدوق فيه لين

من أحكام الجرح والتعديل الواردة في البحث حكم ابن حجر على أبي هلال الراسبي بأنه «صدوق فيه لين»، وهي درجة وسط بين التوثيق التام والتضعيف الشديد تقتضي قبول حديث الراوي عند المتابعة وردّه عند التفرّد؛ ولمّا وافقت روايته هنا بقية الطرق التسع الأخرى فقد ارتفعت من درجة الاحتمال إلى القبول التام، وهذا تطبيق عملي لقاعدة أثر المتابعات في تقوية الأسانيد.

١٩٦

الحسن لغيره

الحديث الحسن لغيره هو حديث ضعيف ضعفاً يسيراً ارتقى إلى القبول بتعدد طرقه أو بمتابعة راوٍ آخر له؛ وقد وصف الباحث إسناد الطبراني في رواية سعيد بن عبدالرحمن بأنه «صحيح لغيره» بعد أن تابع الثقة عبيدالله بن موسى راوياً آخر أقل درجة منه هو أبو معشر؛ وهذا مثال تطبيقي واضح على كيفية ارتقاء درجة الإسناد من خلال تضافر الطرق المتعددة.

١٩٧

الاستخراج والمستخرج

المستخرج نوع من التصنيف الحديثي يقوم فيه المصنّف بإخراج أحاديث كتاب معتمد (كصحيح مسلم) بأسانيد من عنده هو لا بأسانيد صاحب الأصل، فيلتقي معه في الصحابي والشيخ الأعلى؛ وقد استُخرج حديث وفد عبد القيس على صحيح مسلم في أكثر من مصدر، منها «المستخرج» لأبي عوانة وأبي نعيم الأصبهاني، وهذا يدل على أهمية الحديث حتى صار محلاً لعناية المستخرجين خاصة.

١٩٨

العلوّ في الإسناد

العلوّ هو قرب السند من النبي صلى الله عليه وسلم بقلّة عدد الرواة بين المحدِّث وبينه؛ وقد التزم الباحث في ترتيب مصادر كل طريق بالبدء بأعلاها إسناداً، أي الأقدم زمناً والأقرب عدداً، ثم ينتقل تدريجياً إلى المصادر الأحدث والأنزل إسناداً؛ وهذا الترتيب المنهجي الدقيق يعكس تمكّن الباحث من أصول علم التخريج كما يُدرَّس في الدراسات العليا لعلوم الحديث.

١٩٩

الاستملاء

الاستملاء هو أن يجلس شخص بجانب المحدّث الكبير فيبلّغ كلامه للحاضرين البعيدين الذين لا يسمعونه مباشرة، وهو أسلوب تعليمي عُرف في مجالس الإملاء الحديثية لاحقاً؛ وقد استنبط الباحث من فعل أبي جمرة مع ابن عباس - وهو تبليغ كلامه للناس - أن ابن عباس هو أول من استعمل هذا الأسلوب من المحدّثين، فشرع بذلك طريقاً منهجياً اتّبعه من جاء بعده في مجالس التحديث الكبرى.

٢٠٠

تفسير الصحابي

من القواعد المنهجية المهمة التي رجّحها الباحث نقلاً عن ابن حجر أن «تفسير الصحابي أولى أن يُعتمد عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد»؛ وقد طُبّقت هذه القاعدة في ترجيح تفسير ابن عمر وأبي هريرة للحنتم على أقوال اللغويين المتأخرين، لأن الصحابة عاصروا الحادثة ولغتها وعرفوا مقاصد الخطاب النبوي مباشرة دون واسطة الأزمنة والاجتهادات اللاحقة.

٢٠١

أسباب ورود الحديث

هو علم يُعنى بمعرفة المناسبة أو القصة التي قيل الحديث النبوي من أجلها، وهو موازٍ لعلم أسباب النزول القرآني؛ وقد صنّف فيه السيوطي كتاب «الإكليل في استنباط التنزيل»، وصنّف فيه الحسيني كتاب «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف»؛ وقد اعتبر الباحث أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أواني الانتباذ هنا يدخل في هذا الباب لأنه جاء جواباً عن سؤالهم عن الأشربة تحديداً.

٢٠٢

النسخ في الأحكام الحديثية

النسخ هو رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق يخالفه؛ وقد بحث الباحث مسألة النسخ في حكم النهي عن الانتباذ في الأواني الأربعة، مرجّحاً قول الجمهور بأن النهي وقع أولاً عاماً ثم نُسخ ليصبح النهي مقصوراً على شرب المسكر نفسه لا على نوع الوعاء، مستدلاً بحديث بريدة الصريح في الترخيص، وهذا نموذج تطبيقي لكيفية الجمع بين نصوص ظاهرها التعارض عبر آلية النسخ.

٢٠٣

الأصول والفروع في مصادر التخريج

ميّز الباحث في منهجيته بين المصادر الأصلية العالية (كالصحيحين والسنن) والمصادر الفرعية التي روت الحديث من طريق مصدر أصلي سابق عليها (كالمستخرجات والمعاجم المتأخرة)؛ وهذا التمييز ضروري لفهم شجرة انتقال الرواية عبر الأجيال، ولتفادي الوهم في ظن مصدرين مستقلّين بينما أحدهما ناقل عن الآخر بسند فرعي لا أصلي مستقل عن أبي جمرة نفسه.

٢٠٤

خدمة هذا المعجم لقارئ المنصة

يهدف هذا المعجم المصغّر إلى تمكين زائر منصة سُطور من أوال - وإن لم يكن متخصصاً في علوم الحديث - من متابعة مباحث هذا الملخّص بفهم واضح، فمصطلحات مثل «السند» و«المتابعة» و«الشاهد» و«العلّة» و«الشذوذ» هي أدوات العمل الأساسية التي استعملها الباحث في كل صفحة من بحثه، ومعرفتها تحوّل قراءة هذا الملخّص من متابعة سردية إلى فهم علمي حقيقي لمنهج تحقيق التراث النبوي.

٨

بطاقات

رجال الحديث الذين مرّوا في هذا البحث

٢٠٥

عبدالله بن عباس راوي الحديث الأصلي

حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل؛ وهو راوي هذا الحديث الأصلي عن مجلسه الذي حضره وفد عبد القيس، وقد عاش حتى صار مرجعاً علمياً كبيراً يقصده الناس من كل مكان، حتى احتاج - كما بيّن الحديث - إلى من يبلّغ كلامه عنه وهو أبو جمرة، لكثرة من كان يقصد مجلسه للاستفتاء.

٢٠٦

أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي

تابعي بصري ثقة، ملازم لابن عباس، أقعده على سريره وعرض عليه أن يجعل له سهماً من ماله ليقيم عنده، فأقام معه شهرين؛ وهو مدار هذا الحديث الذي رواه عنه عشرة من الثقات، وهو الذي كان «يترجم» بين ابن عباس والناس، وقد توفي في سرخس بعد رحلة علمية بين نيسابور ومرو، وروى له أصحاب الكتب الستة جميعاً، وهذا دليل على مكانته الرفيعة عند نقّاد الحديث.

٢٠٧

شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث

لُقّب بـ«أمير المؤمنين في الحديث» لتثبّته الشديد في نقل الألفاظ وتتبّعه الدقيق لعلل الأسانيد، وهو أحد أصحاب أبي جمرة العشرة الذين رووا عنه هذا الحديث، وروايته من أوسع الطرق تخريجاً وأشهرها، اعتمدها البخاري في أول موضع أورد فيه الحديث في صحيحه؛ وقد اجتمع في طريقه عنه تسعة رواة، وهذا يعكس مكانته العلمية الفائقة بين أقرانه من رواة البصرة.

٢٠٨

حماد بن زيد إمام أهل البصرة

أحد أئمة الحديث الكبار في البصرة، وطريقه عن أبي جمرة من أوسع الطرق تخريجاً على الإطلاق، إذ اجتمع في روايته عشرة رواة نقلوها عنه، وتكرّرت روايته داخل صحيح البخاري نفسه في أكثر من موضع؛ وهذا التكرار المتعمّد من البخاري لروايته يعكس ثقته الكبيرة بضبطه وحفظه، وكان حماد بن زيد من أعلام الحديث والفقه في زمانه، معروفاً بالورع وشدة التحرّي في النقل.

٢٠٩

قرة بن خالد السدوسي صاحب الزيادات

تميّزت رواية قرة بن خالد بأنها الأغنى بالزيادات التفسيرية المهمة، فقد كشفت سبب سؤال أبي جمرة الأول عن نبيذ الجر، وذكرت تفصيلاً في الأشهر الحرم، وانفرد تلميذه معاذ بن معاذ عنه بذكر قصة الأشج عبد القيس ومدح النبي صلى الله عليه وسلم له؛ وهذا يجعل هذه الطريق بالذات من أهم الطرق للباحث في فهم دقائق سياق الحديث، رغم أنها ليست الأوسع من حيث عدد المصادر.

٢١٠

عبّاد بن عباد المهلبي

من أوسع الرواة عن أبي جمرة تخريجاً بعد شعبة وحماد بن زيد، إذ اجتمع في طريقه عشرة مصادر تخريج تشمل أبا عبيد والبخاري والترمذي والنسائي ومسلماً وابن حبان وابن منده وغيرهم؛ وهو من أهل البصرة أيضاً، وينتسب إلى قبيلة المهالبة المعروفة، وقد حرص الباحث على استقصاء كل موضع ورد فيه حديثه بدقة متناهية تعكس منهجية علمية صارمة في التتبع والاستقصاء.

٢١١

المنذر بن عائذ الأشج عبد القيس

سيّد وفد عبد القيس ووجيهه، لُقّب بالأشج لأثر في وجهه، تمهّل في الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصول الوفد، فلبس أحسن ثيابه بينما استعجل رفاقه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب تمهّله فأخبره، فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة؛ فصار بهذه المقالة النبوية رمزاً خالداً لخُلقي التأنّي والحلم في الأدب الإسلامي.

٢١٢

سعيد بن المسيب سيد التابعين

أحد أفقه التابعين وأكثرهم رواية، عُدّ سيد التابعين عند كثير من العلماء، شارك عكرمة في المتابعة الغريبة لحديث ابن عباس عبر طريق قتادة؛ وقد اشتهر بشدة تحرّيه في الفتوى وقلّة روايته إلا لما تحقق صحته، وروايته هذه عن ابن عباس - وإن كانت من طريق غريب - تضيف وزناً علمياً كبيراً لأصل القصة لكونها صادرة عن أحد أوثق فقهاء التابعين وأشدهم تثبتاً.

٢١٣

عكرمة مولى ابن عباس

مولى عبدالله بن عباس وتلميذه الملازم له، حمل عنه علماً غزيراً في التفسير والحديث، وشارك سعيد بن المسيب في رواية المتابعة الغريبة لهذا الحديث؛ وكونه مولى ابن عباس نفسه ولازمه طويلاً يمنح روايته عنه ثقلاً خاصاً، فهو أعرف الناس بمجالس شيخه وما كان يرويه فيها، وإن اختلف العلماء في بعض الأحيان حول درجة توثيق بعض ما ينفرد به عن غيره من التلاميذ.

٢١٤

قتادة بن دعامة السدوسي

أحد كبار المفسرين والمحدّثين في البصرة، اشتهر بحفظه العجيب وسعة علمه رغم كونه ضريراً، روى المتابعة الغريبة لحديث الوفد عن سعيد بن المسيب وعكرمة معاً عن ابن عباس، ورواها عنه أبان بن يزيد العطار؛ وقد وُصفت روايته هذه بالغرابة رغم صحة سندها لأنها لم تُروَ من هذا الوجه الكامل من طريق آخر، وهذا مثال واضح على أن الغرابة لا تلازم الضعف بالضرورة.

٢١٥

الإمام البخاري صاحب أصح الكتب

أورد حديث وفد عبد القيس في مواضع متعددة من صحيحه، معتمداً رواية شعبة أساساً في أول موضع، ثم أعاده بألفاظ متعددة في أبواب الزكاة والإيمان والأدب والمناقب؛ وقد لاحظ الباحث دقّة صنعته في الإشارة إلى العلل بتعقيبات مختصرة بعد بعض الروايات المعلولة، مما يكشف عمق فقهه الحديثي وراء مجرد جمع الروايات، وهذا ما جعل كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله عند جمهور الأمة.

٢١٦

الإمام مسلم صاحب الصحيح الجامع

افتتح كتاب الإيمان في صحيحه بحديث وفد عبد القيس، مما يدل على عناية خاصة به، وجمع له طرقاً عديدة من رواية عباد بن عباد وقرة بن خالد وحماد بن زيد وشعبة وغيرهم؛ وقد اهتم مسلم بجمع أكبر عدد ممكن من الطرق والشواهد لهذا الحديث تحديداً أكثر من أي صحابي آخر روى القصة، وهذا يعكس تقديره الخاص لقيمتها العقدية في تأصيل أركان الإيمان.

٢١٧

الحافظ ابن حجر العسقلاني

أعظم شراح صحيح البخاري في «فتح الباري»، اعتمد عليه الباحث اعتماداً كبيراً في شرح غريب الألفاظ وترجيح الأقوال المختلفة، لا سيما في مسألة الأربع والخمس، ومسألة النسخ في الأواني، ومسألة تقدّم إسلام عبد القيس على فرض الحج؛ وتظهر في كل صفحات هذا البحث تقريباً استشهادات من «فتح الباري» و«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» له، مما يكشف مكانته المرجعية التي لا تُضاهى في هذا الفن.

٢١٨

الإمام النووي شارح صحيح مسلم

صاحب «المنهاج شرح صحيح مسلم»، أفاد منه الباحث كثيراً في شرح الفوائد العقدية والفقهية، لا سيما في مسألة الإيمان والإسلام، ومسألة عدم كراهة إطلاق لفظ رمضان دون تقييد بالشهر؛ ونقل عنه الباحث أقواله الستة في تفسير «الحنتم» وترجيحاته الدقيقة بين الأقوال المتعددة، وهذا يدل على أن شرح النووي لا يزال بعد قرون مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم دقائق صحيح مسلم.

٢١٩

أبو سليمان الخطابي

من أوائل شرّاح الحديث المتقدمين في كتابه «أعلام الحديث»، استعان به الباحث في شرح معنى «خزايا وندامى» وفي مسألة النسخ في أحكام الأواني الأربعة، مرجّحاً قوله بأن النسخ هو الأصح في هذه المسألة؛ وتُعدّ شروحه اللغوية الدقيقة للألفاظ النبوية من أوائل الجهود العلمية المنهجية في هذا الباب، وقد اعتمد عليها من جاء بعده من الشراح الكبار كابن حجر والنووي في مسائل كثيرة.

٢٢٠

ابن بطّال شارح البخاري الأندلسي

من أوائل من شرح صحيح البخاري شرحاً مستقلاً، اعتمد عليه الباحث في مسألة الترجمة عند أبي جمرة، مرجّحاً أن أبا جمرة كان يتكلم بالفارسية فأراد أن يجعله ترجماناً بينه وبين من لا يعرف العربية؛ وقد ناقشه الباحث في هذا الرأي مستدركاً عليه بعدم وجود حاجة ظاهرة للفارسية في ذلك السياق، وهذا يبيّن كيف يتعامل الباحث المعاصر مع أقوال المتقدمين بالنقد العلمي المتوازن لا بالتسليم المطلق.

٢٢١

القاضي عياض صاحب إكمال المعلم

صاحب «إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم»، استفاد منه الباحث في مسألة الأربع والخمس، حيث نقل عنه احتمال أن يكون عدّ «الصلاة والزكاة» واحدة لاقترانهما في القرآن؛ وهو من أعلام المغرب الإسلامي وقاضي الجماعة بغرناطة، وقد جمع في كتابه بين شرح غريب الألفاظ والفقه المستنبط من الأحاديث، فصار مرجعاً أساسياً لكل من جاء بعده في شرح صحيح مسلم.

٢٢٢

أبو حاتم ابن حبان صاحب الثقات

صاحب كتاب «الثقات» وكتاب «الصحيح» المعروف بصحيح ابن حبان، وهو من أهم من وثّق أبا جمرة صراحة، ونبّه إلى الفرق بينه وبين أبي حمزة الذي يشتبه به؛ كما نبّه إلى وجود متابعة قتادة عن عكرمة وسعيد بن المسيب، فكان بذلك أول من لفت نظر الباحثين المتأخرين إلى وجود هذا الطريق الموازي، وهذا يبيّن دور نقّاد الحديث المتقدمين في تمهيد الطريق لأبحاث التخريج المتأخرة.

٢٢٣

الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة

صاحب المعجم الكبير والأوسط والصغير، خرّج حديث وفد عبد القيس في عدة مواضع من معجمه الكبير من طرق متعددة عن أصحاب أبي جمرة، وكان من أوسع المحدّثين رحلة وجمعاً للأسانيد في زمانه؛ وقد استفاد الباحث من معجمه الكبير في تخريج ما لا يقلّ عن ستة من الطرق العشر التي جمعها في هذا البحث، مما يبرز غنى هذا المصدر الحديثي الموسوعي وأهميته الكبرى في علم التخريج.

٢٢٤

البيهقي صاحب السنن الكبرى

صاحب «السنن الكبرى» و«شعب الإيمان»، من أوسع من جمع طرق الأحاديث وشواهدها في مصنّفاته الموسوعية، أفاد منه الباحث في تخريج عدة طرق فرعية عن أصحاب أبي جمرة لم توجد في مصادر أخرى، وفي مسألة النسخ حول أحكام الأواني الأربعة نقلاً عن الحديث الجامع لحكم الترخيص؛ وهذا يعكس مكانة البيهقي كأحد أكبر جامعي السنة النبوية وأدلتها الفقهية في القرن الخامس الهجري.

٩

بالأرقام

خلاصة سريعة وأسئلة وأجوبة

٢٢٥

عشرة رواة عن أبي جمرة

بالأرقام: عشرة من الثقات رووا حديث وفد عبد القيس مباشرة عن أبي جمرة الضبعي، وهم بسطام بن مسلم، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسعيد بن عبدالرحمن، وشعبة بن الحجاج، وعباد بن عباد، وقرة بن خالد السدوسي، ومعمر، وأبو التياح، وأبو هلال؛ وهذا العدد الكبير عن راوٍ واحد نادر في علم الحديث، ويجعل حديث أبي جمرة نفسه في حكم المتواتر عند بعض أهل العلم.

٢٢٦

تسعة شواهد من الصحابة

بالأرقام: تسعة صحابة غير ابن عباس رووا القصة أو أشاروا إليها: أنس بن مالك، وجابر بن عبدالله، وعليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين؛ فمجموع من روى القصة أو أشار إليها من الصحابة يبلغ عشرة على الأقل، وهذا ما جعل الباحث يصفها بأنها بلغت حدّ التواتر عند البعض.

٢٢٧

أربعة أواني وأربعة أركان

بالأرقام: أربعة أواني نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهي الحنتم والدباء والنقير والمزفت، مقابل أربعة أوامر أساسية سبقتها في الحديث تحت اسم «الإيمان»، وإن كانت في حقيقتها خمسة أمور بإضافة الخمس إليها؛ وهذا التقابل العددي بين المأمور به والمنهي عنه من الجماليات البنيوية اللافتة في تركيب الحديث نفسه وطريقة عرضه للأحكام.

٢٢٨

ثمانٍ وعشرون فائدة مستخرجة

بالأرقام: ثمانٍ وعشرون فائدة استخرجها الباحث من هذا الحديث الواحد، موزّعة بين التربوي والعقدي والفقهي والحديثي؛ وهذا العدد الكبير من الفوائد المتنوعة من حديث نبوي واحد يبيّن غنى النصوص النبوية وقابليتها للاستنباط المتعدد الأوجه، وهو ما يفسّر إفراد بعض العلماء لحديث واحد بشرح مستقل يمتد لعشرات الصفحات كما فعل الباحث هنا.

٢٢٩

إحدى عشرة جملة تحليلية

بالأرقام: إحدى عشرة جملة رئيسية من متن الحديث خصّها الباحث بالتحليل اللغوي والفقهي المستقل في المبحث الثاني، بدءاً من «إنا هذا الحي من ربيعة» وانتهاءً بخصلتي الحلم والأناة عند الأشج؛ وهذا التقطيع الدقيق للمتن جملة جملة هو ما يميّز أسلوب «شرح الحديث» المتخصص عن مجرد الترجمة أو السرد القصصي العام للأحداث.

٢٣٠

سؤال: من هو مدار الحديث؟

جواب سريع: مدار حديث وفد عبد القيس هو التابعي الثقة أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، الذي لازم ابن عباس حتى أقعده على سريره، وروى عنه هذه القصة، وقد رواها عنه عشرة من تلاميذه الثقات في عشر طرق مستقلة وثّقها الباحث جميعاً بالتخريج من مصادرها المتنوعة في دواوين السنة الكبرى.

٢٣١

سؤال: لماذا سُمّي وفدهم بلا خزايا ولا ندامى؟

جواب سريع: لأنهم دخلوا الإسلام طوعاً دون قتال ودون أن يصيبهم مكروه من حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم، بخلاف كثير من القبائل التي دخلت الإسلام بعد قتال أو فتح؛ فوصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف تكريماً لسبق إسلامهم الطوعي وحسن استقبالهم لدعوته دون تردد أو مقاومة.

٢٣٢

سؤال: ما سبب سؤالهم عن الأشربة تحديداً؟

جواب سريع: لأنهم كانوا يسكنون منطقة زراعية غنية بالنخيل والعنب، فكان الانتباذ في الأواني عادة معيشية منتشرة عندهم، وكانوا يخشون الوقوع في المحرّم دون علم منهم، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ليعرفوا الحلال من الحرام في هذا الباب بالذات، وهذا يعكس حرصهم على ضبط سلوكهم اليومي وفق الشرع الجديد الذي دخلوا فيه.

٢٣٣

سؤال: هل حكم الأواني الأربعة باقٍ إلى اليوم؟

جواب سريع: رجّح جمهور العلماء - ومنهم الباحث تبعاً للخطابي وابن حجر - أن النهي عن هذه الأواني بخصوصها منسوخ، وأن الباقي هو تحريم شرب المسكر نفسه في أي وعاء كان، استناداً إلى حديث بريدة الصريح في رفع القيد عن نوع الوعاء؛ فالعبرة اليوم بالمادة المشروبة لا بشكل الإناء أو مادته التي صُنع منها.

٢٣٤

سؤال: ما علاقة هذا الحديث بالبحرين؟

جواب سريع: علاقة مباشرة، لأن قبيلة عبد القيس - أصحاب هذا الوفد - استوطنت البحرين وهجر وجواثى بعد نزوحها من تهامة، وثبتت على الإسلام في حروب الردة، فصار هذا الحديث وثيقة نبوية تؤرّخ للحظة دخول أهل هذه الجزيرة في الإسلام مباشرة من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يجعله ذا قيمة مضاعفة لكل مهتم بتاريخ البحرين الديني المبكر.

٢٣٥

سؤال: من هو الأشج وماذا قيل فيه؟

جواب سريع: هو المنذر بن عائذ العبدي، سيد الوفد ووجيهه، مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة، بعد أن لاحظ تمهّله وتأنّيه في الدخول عليه بخلاف استعجال بقية رفاقه؛ وقد صار هذا الثناء النبوي مضرب مثل في مدح خُلقي الحلم والتأني عند العرب والمسلمين إلى اليوم.

٢٣٦

سؤال: كم كتاباً حديثياً خرّج الباحث منه؟

جواب سريع: تجاوزت مصادر التخريج التي استقصاها الباحث الأربعين مصدراً، شملت الكتب الستة كلها، والمسانيد كمسند أحمد والطيالسي، والمعاجم كمعجم الطبراني الكبير، والمستخرجات كمستخرج أبي عوانة وأبي نعيم، وكتب السنن الكبرى كسنن البيهقي والنسائي، إضافة إلى الأجزاء الحديثية المفردة كالجعديات لعلي بن الجعد.

٢٣٧

سؤال: ما الفرق بين خبر الآحاد والمتواتر هنا؟

جواب سريع: خبر الآحاد هو ما رواه عدد قليل لا يبلغ حدّ التواتر في كل طبقة من طبقات السند، وهو ما استُدلّ به في هذا الحديث نفسه على جواز الاعتماد عليه من قوله «وأخبروا بهنّ من وراءكم»؛ أما التواتر فهو أن يرويه جمع كبير يستحيل تواطؤهم على الكذب، وقد رجّح الباحث أن مجموع طرق وشواهد هذا الحديث يقارب هذه الدرجة وإن اختلف العلماء في ضبط حدّها الدقيق.

٢٣٨

سؤال: ما قيمة هذا البحث لطالب علم الحديث؟

جواب سريع: يقدّم البحث نموذجاً تطبيقياً كاملاً لكل خطوات التخريج الحديثي: تحديد المدار، جمع الطرق، تمييز المتابعات من الشواهد، تعليل الروايات الشاذة، شرح غريب الألفاظ، واستنباط الفوائد؛ فمن أتقن قراءة هذا البحث بتمعّن يكون قد تدرّب عملياً على منهجية كاملة يمكنه تطبيقها لاحقاً على أي حديث نبوي آخر يريد دراسته.

٢٣٩

سؤال: أين نُشر البحث وما مكانته؟

جواب سريع: نُشر البحث في مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، وهي مجلة علمية دورية محكّمة تصدر عن كلية الشريعة وأصول الدين، وقد جاء هذا البحث خاتمة عدد ضمّ عشرة أبحاث محكّمة في مختلف فروع العلم الشرعي، وهو ما يمنحه صفة الاعتماد الأكاديمي الرسمي إلى جانب قيمته العلمية الذاتية.

٢٤٠

سؤال: ما أكثر كلمة مفتاحية تتكرر في البحث؟

جواب سريع: كلمة «طريق» و«رواية» و«ثقة» هي الأكثر تكراراً في المبحث الأول، بينما تتصدر «فائدة» و«دليل» و«يستنبط منه» المبحث الثالث؛ وهذا التكرار المقصود ليس حشواً بل انعكاساً طبيعياً لطبيعة كل مبحث: الأول يوثّق السند بلغة الرواية، والثالث يستثمر المتن بلغة الاستنباط والفقه العملي.

٢٤١

سؤال: هل ذُكر الحج في الحديث؟

جواب سريع: لا يُذكر الحج في أشهر طرق الحديث، ورجّح الباحث أن السبب أن فريضة الحج لم تكن قد نزلت بعد وقت الوفادة، وورد ذكره في رواية شاذة عن أبي زيد الهروي مردّها لوهم راوٍ تغيّر حفظه، وورد أيضاً في متابعة قتادة الغريبة الصحيحة السند من طريق مستقل، فيبقى الأمر محتملاً لا مقطوعاً به بيقين تام.

٢٤٢

سؤال: ماذا تعني كلمة نداما ووزنها؟

جواب سريع: أصلها «نادمون» لكنها وردت على وزن «خزايا» السابقة لها في الجملة إتباعاً صرفياً بلاغياً حسّن جرس العبارة، وهذا أسلوب معروف في الفصحى يسمى الإتباع، يُستعمل لتحقيق التناغم الصوتي بين كلمتين متتاليتين في الجملة الواحدة، حتى وإن خالف ذلك القياس الصرفي الدقيق لصيغة الجمع المفردة لكل كلمة على حدة.

٢٤٣

سؤال: من أول من صنّف في أسباب ورود الحديث؟

جواب سريع: من أبرز من صنّف في هذا الفن جلال الدين السيوطي في كتابه «الإكليل في استنباط التنزيل»، وبرهان الدين الحسيني في كتابه «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف»؛ وقد استحضر الباحث هذين المرجعين عند تصنيفه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أواني الانتباذ ضمن هذا النوع من علوم الحديث المتخصصة.

٢٤٤

سؤال: كم استغرق تأليف هذا البحث؟

جواب سريع: لا يُصرّح البحث بمدة إعداده، لكن حجم التخريج المستقصى - عشر طرق، وشاهد غريب، وتسعة شواهد، وأربعون مصدراً على الأقل - يدل على جهد بحثي مكثّف يمتد لأشهر من التتبّع والمقابلة بين النسخ المطبوعة لعشرات كتب الحديث، وهذا نمط معتاد في الأبحاث الحديثية الأكاديمية المحكّمة التي تصدر عن الجامعات.

٢٤٥

سؤال: هل يصلح هذا الملخّص بديلاً عن قراءة البحث الأصلي؟

جواب سريع: لا، فهذا ملخّص تعريفي إبداعي يهدف إلى تقريب موضوع البحث ونتائجه لزوار منصة سُطور من أوال، أما التفاصيل الدقيقة لكل إسناد وكل رقم صفحة وكل مصدر بعينه فلا يُغني عنها إلا الرجوع إلى البحث الأصلي المنشور في مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، المجلد السابع عشر، العدد الثاني.

٢٤٦

الحديث بين يدي القارئ اليوم

بعد كل هذا التخريج والتحليل، تبقى غاية الحديث بسيطة وعميقة في آن: أن يعرف كل من يقرؤه اليوم، كما عرف وفد عبد القيس قبل أربعة عشر قرناً، أركان دينه الأساسية بوضوح لا لبس فيه، وأن يحرص على تبليغها لمن حوله بأمانة كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم»، فهذه هي الرسالة الخالدة التي تتجاوز تفاصيل الأسانيد إلى جوهر الدين نفسه.

٢٤٧

توصية ختامية لزوار المنصة

يوصي هذا الملخّص كل زائر لمنصة سُطور من أوال يرغب في التعمّق أكثر بالرجوع إلى نص البحث الأصلي كاملاً، والاستفادة من فهارسه وحواشيه الموسّعة التي تضمّنت أكثر من مئة إحالة مرجعية دقيقة، فهذا الملخّص الإبداعي في مئتين وخمسين نقطة إنما هو بوابة تمهيدية شائقة تفتح شهية القارئ لدخول عالم علوم الحديث النبوي الشريف بعمقه الحقيقي الأصيل.

٢٤٨

شكر وتقدير للباحث والمجلة

يُختم هذا الملخّص بتقدير جهد الأستاذ الدكتور يحيى بن عبدالله البكري الشهري في إخراج هذا العمل العلمي الرصين، وتقدير دور مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية في احتضان هذا النوع من الأبحاث المحكّمة التي تخدم التراث النبوي وتُبقيه حيّاً متجدداً في وعي الأجيال، وهو الدور نفسه الذي تسعى منصة سُطور من أوال لأداء نظيره في خدمة تراث جزيرة البحرين.

٢٤٩

عنوان الملف المقترح للمنصة

يقترح لهذا الملخّص أن يُدرج على المنصة تحت أيقونة مستقلة بعنوان «حديث قدوم وفد عبد القيس: رواية ودراية» مع رابط داخل بطاقة القبيلة الموجودة أصلاً في قسم الأحداث التاريخية، أو ضمن قسم مستقل يُخصَّص مستقبلاً لتحقيقات علوم الحديث المتصلة بتاريخ البحرين، أسوة بما فُعل مع ملخّصي كتابي هويلوند والنقوش الجنائزية سابقاً.

٢٥٠

خاتمة هذا التلخيص الإبداعي

بمئتين وخمسين نقطة، حاول هذا الملخّص الإبداعي أن يعيد سرد رحلة بحث علمي محكّم كاملة - من مقدمته المنهجية إلى تخريج طرقه العشرة، إلى تحليل ألفاظه الإحدى عشرة، إلى فوائده الثمانٍ والعشرين، إلى نتائجه الثمانية - بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية وسلاسة السرد، ليخرج القارئ منه وقد أحاط بأهم ما في هذا البحث القيّم عن وفد عبد القيس المبارك.